تأتي الزيارة القصيرة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للكويت الأسبوع الماضي في إطار جهود إيران الحثيثة لفك العزلة التي فرضتها على نفسها بسبب تشددها في موضوع برنامجها النووي، فواضح أن موقفا دوليا بدأ يتبلور حول المخاوف من البرنامج النووي الإيراني وأهدافه العسكرية التي تصر إيران على أنها سلمية بحتة، ولكن الجهود الإيرانية لم تستطع طمأنة أحد وبالذات جيران إيران العرب على الساحل الآخر من الخليج الذي أصر الرئيس الإيراني على تسميته بالخليج الفارسي في الكويت دون اعتراض أو تحفظ من مضيفيه كإشارة حضارية في تجاوز التسميات اللغوية إلى أهمية مدلولاتها السياسية.
استمرت الزيارة ساعات قصيرة للكويت تحديدا لأنها تحظى بعلاقات ودية مع إيران وأخرى استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية العدو المعلن لإيران التي اعتبرها رئيسها الحالي -جورج بوش- أحد محاور الشر، بينما لا تزال تسمية الشيطان الأكبر الخمينية لأميركا لصيقة بها في الأدبيات السياسية والإعلامية الإيرانية.
واختتمت الزيارة ببيان لغوي جميل حول العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين والجارين الودودين وسبل تعميق العلاقة بينهما.. إلخ، ولم تخل التصريحات من إشارة إلى الحدود البحرية التي لم تحل بعد، وأشير إلى المشاريع المائية والغازية بين البلدين.
الانطباع لدى بعض المراقبين أن السيد نجاد يعتقد بأنه يمكن أن يتذاكى على العالم كله من خلال هذه الزيارات "المجاملاتية" التي لن تحقق ما يتطلع إليه الشعب الإيراني الصديق حقا، فواقع الحال يقول بأن على إيران أن تترجم أقوالها أفعالا بحل المشاكل العالقة بينها وبين جيرانها على الساحل الغربي من الخليج "الفارسي"، فلا هي تقبل أن تجلس حتى على طاولة المفاوضات لحل مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث، ولا هي تضع حداً للمفاوضات التي طالت حول الجرف البحري بينها وبين الكويت، ولا تتوقف عن سيل الخطب الرعناء تجاه "أصدقائها" بين فترة وأخرى، وبلغة تنم عن احتقار وعنصرية ولى عهدها أو هكذا نتمنى.
الإيرانيون يعتقدون بأنهم يمسكون بأوراق إقليمية كثيرة، فمن "حزب الله" في لبنان، إلى تنظيمات طائفية في العراق، وحتى بعض الخلايا الخليجية الطائفية التابعة لها في دول الخليج، وتعتقد بأن مثل هذه الأوراق ستوقف الضغط الأميركي- الأوروبي عليها تجاه برنامجها النووي، وهذه طموحات وأولويات قيادة دينية، ولكنها ليست تطلعات الشعب الإيراني الذي يرى أولوية في التركيز على الاقتصاد الداخلي وحل مشكلة البطالة والتنمية في ظل ارتفاع "فلكي" نسبي لأسعار البترول بدلا من ضياعها على برامج نووية لا تغني ولا تسمن من جوع.
ولأن الإيرانيين مثلنا -بنو يعرب- في كثير من مميزاتهم السياسية، فإن لديهم هذه الأيام تفكيرا "مؤامراتيا" مفاده أن نجاد عميل أميركي يريد أن يورط النظام الإسلامي في إيران من خلال سياسته المتشددة للوصول إلى المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية، ويسوق هذا التفكير مبرراته على عدم فهم المحاولة النجادية تبرئة أوروبا من مذابح الهولوكوست ضد اليهود، أو الدفاع عن الحرية الأوروبية أو الأميركية بعدم التعرض للهولوكوست، أو الإصرار على بناء المفاعلات النووية دون رقابة دولية ضاربا بذلك عرض الحائط بكل محاولات المجتمع الدولي التوصل إلى صيغة سلمية للتفتيش والرقابة على البرنامج، وتخلص "المؤامرة" الإيرانية إلى أن نجاد يريد تخليص الإيرانيين من النظام الديني بالتشدد والصلف إسراعا في المواجهة مع المجتمع الدولي الذي تقوده أميركا.
مطلوب من إيران أن تلحق التصريحات الجميلة التي يكثر منها متقي ويكررها نجاد- أحيانا، بأفعال تعزز من خندق أصدقائها، وتجلب مزيدا من المحايدين تجاهها، لا أن تساهم في عزلتها بمحاولات التذاكي على الآخرين.