منذ ثمانينيات القرن الماضي، تم إيجاد أو إعادة كتابة أو مراجعة، ما يزيد على مئة دستور في شتى دول العالم، وهو ما يشكل نصف عدد الدساتير المتواجدة في عالم اليوم. ومن دول الاتحاد السوفييتي السابق الآخذة في التخلي عن القوانين الشيوعية السابقة، إلى الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، إلى دول العالم النامي الساعية إلى إعادة تأهيل أوضاعها الداخلية، تنظر الدول في كل مكان إلى الوثائق الدستورية على أنها رمز قوي على الشرعية السياسية. ولكن رغم ذلك، يوجد على الأقل فرق واحد بين الدساتير التي تُسن هذه الأيام وتلك التي كتبت في الماضي. ففي السابق عادة ما تواجدت خلافات حادة بين واضعي الدساتير، ولكنهم تقاسموا أيضاً الرؤى المشتركة فيما بينهم، فلننظر مثلاً إلى الإمارات في نهاية الستينيات من القرن العشرين، عندما علم الجميع بأنهم كانوا يريدون اتحاداً قوياً مستقلاً بين إماراتهم بعد أن تغادرهم بريطانيا.
إن سن الدساتير في هذه المرحلة من تاريخ العالم تعتبر تجارة رابحة، فيوجد منها 190 دستوراً تقريباً سنتها دول العالم المختلفة، ولا زال المزيد منها يأتي كل عام، وقد انتشرت حمى كتابة الدساتير كانتشار النار في الهشيم في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، فدول الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية والعديد من دول العالم النامي، لديها في هذه المرحلة دساتير مكتوبة بلغات رصينة، وتشير بالتأكيد إلى معانٍ سامية، كضمان حق الشعوب في الحياة الحرة الكريمة وحقوق الإنسان إلى غير ذلك من شعارات تفرح بها الشعوب. ولكن في الممارسة العملية فإن جميع تلك الدساتير غير عملية وغير فعالة، لأنها حدت من السلطات الممنوحة للمؤسسات التي يوجدها الدستور ذاته، ولكنها لم تجد من السلطات التي تمنحها النخب السياسية لذاتها خارج نطاق النصوص الدستورية.
إن الممارسات الدستورية ليست جميعها تنتج عنها دساتير رسمية، فكتابة الدساتير ما هي إلا مسرحية ناتجة عن ضرورات سياسية تمر بالمجتمعات، فقد يضطر زعيم دولة نامية ما على مضض، إلى تشكيل لجنة لصياغة دستور للبلاد في أعقاب ضغط سياسي داخلي تضعه عليه مؤسسات المجتمع المدني وفئات المعارضة العاملة في بلاده، ولكن من الممكن جداً أن يتلاعب هذا الزعيم بعملية كتابة الدستور، وينتج عن ذلك دستور يوطد شرعية أركان حكمه الشخصي وليس مصلحة البلاد والعباد.
وفي هذا السياق، فإنه ليس بالضرورة أن تكون جميع الدساتير مكتوبة، فبريطانيا التي تعتبر من أعرق البلاد على صعيد القانون والدستور، ليس لديها دستور مدون، ولكنها تمتلك دستوراً رسمياً غير مكتوب يعرف في الفقه الدستوري البريطاني بـ"المجناكارتا"، ويقوم على الأعراف والتقاليد السابقة التي مرت بها البلاد خلال القرون الماضية من الممارسة الديمقراطية التي أصبحت في هذه المرحلة ملزمة لكافة أطراف اللعبة السياسية وأفراد المجتمع أكثر من أي شيء آخر مكتوب على الورق.
وفي معظم الدساتير العريقة يوجد عقد اجتماعي أساسي يبدأ به واضعو الدستور، إن الجميع لديهم فكرة عامة عن الوطن الذي يسعون إلى تأسيسه. فالإمارات مثلاً لم تتوصل إلى الصيغة الدستورية المعمول بها الآن بين عشية وضحاها، واستمرت عملية وضع الدستور في الفترة من عام 1968 إلى 1971 إلى أن تم التوصل إلى صيغة وافق عليها الجميع. وقد تفاوض المجتمعون من خلال رؤساء الوفود والمستشارين القانونيين وأعضاء اللجان والخبراء السياسيين، على العديد من القضايا التفصيلية، وقد اصطدم أصحاب الشأن بكيفية توزيع الاختصاصات والصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية.
إن مسألة توزيع الاختصاصات تلك كانت شائكة، إلى درجة أنها هددت بنسف جميع الجهود المبذولة وإفشال العملية الاتحادية من أساسها. إن ذلك حدث في قُطْر متجانس جداً ينتمي أهله إلى بعضهم بعضا بوسائل شتى، فما بالك بأقطار تمزقها الفرقة من كل نوع، كرواندا أو البوسنة والهرسك أو صربيا أو غيرها من الأقطار المشابهة لها، حيث ذكريات الاختلاف العرقي والقبلي والثقافي حية وملونة بحمامات الدم.