خلال فبراير المنصرم، قامت إدارة الرئيس بوش بنقلة نوعية في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، بعد أن طلبت من الكونغرس رصد مبلغ 85 مليون دولار للمساعدة على إحداث تغيير في النظام الإيراني. وهو ما يؤشر على أن هدف الولايات المتحدة لا يقتصر على احتواء طموحات طهران النووية، وإنما يتعداه ليشمل الإطاحة بالحكومة الإيرانية أيضا.
والواقع أن الحرب في العراق شاهد على التكلفة الباهظة لاستعمال القوة العسكرية في إحداث تغيير النظام. وبالتالي يبدو أن الإدارة الأميركية ترغب في الاقتداء بما حدث في أوروبا الشرقية التي استعملت فيها الولايات المتحدة المحطات الإذاعية، ووجهت دعمها ومساعدتها للجماعات المعارضة للمساعدة على إضعاف الحكومات الديكتاتورية وتشجيع الديمقراطية. ولذلك يمكن القول إن مسؤولي الإدارة الأميركية قد تعمدوا الإشارة إلى حركة التضامن البولندية كنموذج عن قصد.
ولكن بالرغم من أن دمقرطة إيران تشكل هدفاً رئيسياً، فإن الإدارة ترتكب خطأ بتبنيها استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير في النظام الإيراني بالاستناد إلى التجربة الأوروبية. ذلك أن الظروف في إيران تختلف عن تلك التي رافقت سقوط الأنظمة الديكتاتورية في أوروبا، ما يرجح احتمال أن تأتي الاستراتيجية الجديدة التي تعتمدها الإدارة الأميركية بنتائج عكسية، وبالتالي تقوي موقف المتشددين في طهران. ولذلك فبدلاً من عزل إيران دولياً والسعي إلى إضعاف نظامها من الخارج، ينبغي على واشنطن أن تعمل على إشراكها، وهو ما سيؤدي لاحقاً إلى حدوث عملية الإصلاح السياسي من الداخل بشكل طبيعي.
صحيح أن حركات المعارضة التي أطاحت بالشيوعية في أوروبا الشرقية –وأتت بالديمقراطية مؤخراً إلى أماكن مثل جورجيا وأوكرانيا– كانت مؤيدة للولايات المتحدة. وصحيح أيضاً أن الحركات المعارضة كانت سعيدة بتلقي الدعم والمساعدة من واشنطن، وبارتباط اسمها بسياسة الولايات المتحدة، إذ ما يزال التحالف مع الولايات المتحدة يعد ذخيرة سياسية قيمة بالنسبة لديمقراطيات أوروبا الجديدة.
إلا أن الأمر مختلف بالنسبة لإيران التي يسود أطيافها السياسية التوجس والريبة من الولايات المتحدة. ولذلك فإن دعم إدارة بوش الخطابي –والآن المالي– للشعب الإيراني لا يزيد مهمة المدافعين عن الديمقراطية في إيران إلا تعقيداً بدلاً من أن يدعمهم، حيث يستمر "المحافظون" الإيرانيون في الرد على "التدخل" الأميركي بتضييق الخناق على المعارضين. بل وحتى أولئك الإصلاحيون الذين لديهم ميول مؤيدة لسياسة الولايات المتحدة يضطرون إلى النجاة بأنفسهم والتنديد بسياسة العداء الأميركية.
وفي حين كانت الأنظمة التي أسقطتها الثورات الديمقراطية في أوروبا الشرقية هشة وغير شرعية، ولطالما اعتبرت أنظمة تفتقر إلى المصداقية في أعين مواطنيها، فإن النظام الحالي في إيران يحظى بشعبية، كما أن الرئيس محمود أحمدي نجاد أفلح في حمل شعار الوطنية. وبالتالي يبدو أن إدارة بوش لا تدرك أن سياستها الدبلوماسية تجاه الملف النووي الإيراني إنما تضعف جهودها الرامية إلى نزع الدعم عن زعماء طهران.
لقد كانت الأنظمة المركزية في أوروبا الشرقية تمارس رقابة شديدة على وسائل الإعلام، ولذلك لعبت المحطات الإذاعية الأميركية وتوزيع المعلومات سراً دوراً كبيراً في دعم فتح نقاش ديمقراطي. إلا أن إجراءات من هذا القبيل لن تكون قوية الفعالية في إيران، حيث الهواتف المتحركة والإنترنت والقنوات الفضائية منتشرة. كما أن النقاش الداخلي في إيران يتسم بالتعددية، بالرغم من عدم وجود صحافة حرة.
كانت الإدارة الأميركية على صواب حين أبدت رغبتها في إضعاف رجال الدين المتشددين في إيران، غير أن أفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف لا تكمن في إعطاء الشعب الإيراني محطات إذاعية باللغة الفارسية، وإنما في إمكانية الانضمام إلى المجتمع الدولي. والأكيد أنه عبر العمل في هذا الاتجاه تدريجياً، بدءا بالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، تستطيع الولايات المتحدة تشجيع طهران على تبني اللامركزية والمحاسبة والشفافية –وهي ممارسات سياسية من شأنها إحداث تغيير جذري في إيران.
وعلاوة على ذلك، ستكون الولايات المتحدة قد استثمرت بذلك في رصيد من حسن النية تجاه إيران، رصيد يعتبر ضرورياً لدعم جيل جديد من "الإصلاحيين" ينظر إلى الولايات المتحدة كشريك ممكن، بدلا من اعتبارها "الشيطان الأكبر". ومما لاشك فيه أن التلويح بالتهديدات ضروري لحمل طهران على التخلي عن سعيها إلى الحصول على التكنولوجيا الضرورية لإنتاج أسلحة نووية. ولكن لابد من أن تكون تلك التهديدات مشفوعة بوعود صادقة بالتطبيع السياسي في حال غيرت طهران سياساتها العدائية. وإلا، فإن المستفيد الوحيد هم المتشددون الذي يعتمدون على "الأشرار" الأجانب والعزلة عن المجتمع الدولي لتبرير احتكارهم للسلطة.
لقد كان ديمقراطيو أوروبا الشرقية يعلمون فيما قبل أن الغرب كان ينتظر دولهم بذراعين مفتوحتين، ما شجعهم على اغتنام أول فرصة لتنحية أنظمتهم القمعية. أما في منطقة ت