في شهر فبراير المنصرم، كانت هناك مادتان خبريتان جديرتان بالاهتمام مغمورتان وسط أخبار الأعمال العالمية، على الرغم من أنهما في رأيي مادتان خبريتان كان يجب أن تجعلا المراقبين لسياسات القوى يقفون ويفكرون فيهما.
المادة الخبرية الأولى هي أنه وبعد حرب مزايدات مكثفة متعددة المليارات الدولارية، تمكنت شركة "دبي العالمية للموانئ" التي تتخذ من إمارة دبي مقراً لها من هزيمة شركة "بي إس آيه" السنغافورية، وشراء مجموعة "بي آند أو" البريطانية للملاحة والموانئ والعبارات.
انسوا للحظة الأسماء الأخرى المشار إليها بالحروف الأولية، وركزوا على الاسم الأخير. ما الذي يعنيه الحرفان "بي آند أو"؟ حسنا، إنهما يمثلان الاسم المختزل لواحد من الأسماء الأسطورية في تاريخ المشروع الغربي، وتاريخ الاستعمار في الشرق.
وهما يشيران إلى الشركة المعروفة باسم "بينينسولار آند أورينتال ستيم نافيجيشن كومباني" والتي يمكن ترجمتها كالآتي: "شركة شبه الجزيرة والشرق البخارية الملاحية"، التي قامت خلال القرن التاسع عشر، بتسيير خدمات نقل منتظمة بين بريطانيا ودول البحر الأبيض المتوسط بدءاً من شبه الجزيرة -شبه الجزيرة هنا تعني شبه الجزيرة الإيبيرية أي أسبانيا والبرتغال- ومنها إلى مصر والخليج والهند وسنغافورة وما وراءها (الشرق).
لم يكن هناك في ذلك الوقت ما هو أفخم من قيام الأرستقراطيين، والموظفين والضباط العسكريين، ورجال الأعمال البريطانيين وخدمهم بالسفر في سفن بخارية مريحة إلى، ومن، عالم آسيا.( المحظوظ منهم كان يحصل على كابينة تقع في ميسرة السفينة وهو مسافر من بريطانيا إلى آسيا، وتقع في ميمنتها عند عودته إلى الوطن كي يتجنب رمال الصحراء).
كان هذا في القرن التاسع عشر، أما الآن فقد تغير العالم. فالدول الواقعة في منطقة الخليج العربي، التي كانت بريطانيا تتفاوض معها في الماضي من أجل التوقيع على معاهدات حماية وامتيازات، أصبحت الآن دولا طموحة معتزة بذاتها ولديها وفرة من عائدات النفط. أما سنغافورة، محور التجارة لجنوب شرق آسيا، والتي كانت بريطانيا قد استولت عليها عام 1819، فقد أصبحت الآن دولة يزيد دخلها القومي الإجمالي على دخل معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولا زالت تتقدم بقوة إلى الأمام.
قد تكون شركة "بي إس آيه" السنغافورية، قد خسرت حرب المزايدات التي كانت ترمي للاستحواذ على شركة "بي آند أو"، ولكن ليس هذا هو المهم. المهم هو أن الدول التي كانت تمثل أجزاء من الإمبراطورية البريطانية في منطقة "شرق السويس" تقوم الآن بشراء أصول الإمبراطورية المادية والرمزية بأعداد كبيرة. وشركة "بي إس آيه" ستعود مرة أخرى عما قريب للدخول في مزايدات لشراء أجزاء من ممتلكات الإمبراطورية البريطانية ضمن عملية تحول تاريخي، أو دوران لعجلة التاريخ.
أما المادة الخبرية الثانية التي كانت تستوجب الاهتمام فهي تلك الخاصة بأن الحكومة الهندية قد اعترضت -ولها الحق في ذلك تماما- على فرنسا وعلى بعض السياسيين الفرنسيين تحديدا بسبب محاولتهم لعرقلة عرض الشراء الذي تقدمت به شركة "ميتال ستيل" للاستحواذ على شركة "أرسيلورArcelor " المنافسة لها. ومن المعروف أن شركة "ميتال ستيل" تتخذ من هولندا مقرا لها، ولكنها مملوكة لرجل أعمال هندي تمتلك أسرته أغلبية أسهم الشركة، أما "أرسيلور،" فيقع مقرها الرئيسي في لوكسمبورج.
ولو كانت محاولة "ميتال ستيل" قد نجحت، لتمكنت الشركة من امتطاء ظهر الصناعة، مثلما امتطت الإمبراطورية البريطانية عالم القرن التاسع عشر. ولكن هذا ليس هو المهم، ولا المهم كذلك دعاوى الهند القائلة إن هذه الحالة هي آخر دليل على أن السياسات الحمائية الأوروبية "عنصرية".
مع ذلك، فإن ما يبعث على السرور هو أن يقرأ المرء أن وزير التجارة والصناعة الهندي "كمال ناث" قد ألقى محاضرة على أوروبا الأسبوع الماضي عن مبادئ السوق المفتوحة. فحسب نص كلماته قال "ناث" إن هذا العصر: "هو عصر العولمة، والاستثمارات العابرة للحدود، والليبرالية، وليس عصراً يتم التحكم فيه بالمستثمرين بناء على لون جلودهم، لأن ذلك يمثل خرقاً لقواعد التعامل بين الأمم" .
ونظرا لأن فرنسا قامت خلال الآونة الأخيرة بإرسال بعض وزرائها من ذوي الوزن الثقيل إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" بسويسرا لتطمين مجتمع الأعمال العالمي، بأنها لاعب جذاب وملتزم في هذا العصر من عصور سيادة الأسواق الحرة، فإنه سيكون من المسلي أن نستمع إلى ردود الأفعال التي ستصدر عن باريس على اتهامات "ناث".
الحقيقة الواضحة هي أن التوازنات الاقتصادية العالمية تتحول بسرعة في جميع المجالات الصناعية والتجارية والمالية. فقط أولئك الذين يرتدون غمامات ثقيلة على عيونهم هم الذين ينكرون ذلك. ومن أسف، أن هناك الكثير من السياسيين الأوروبيين -وعدد أكثر من الأميركيين- يرتدون هذه الغمامات.
ربما يخطر على بالكم أن الحكومة الغربية التي ستكون هي الأكثر اهتماماً بهذا التحول الجوهري حقاً في الشؤون الدولية، هي تلك التي