دخلت قضية دارفور خلال الأيام القليلة الماضية فصلا جديدا من فصولها المستمرة. المسؤولون السودانيون، من أعلى قمة السلطة إلى أدناها، فتحوا نيران الهجوم على ما سموه "التدخل الأجنبي والمؤامرة الصهيونية- الأمريكية" لجلب قوات دولية إلى دارفور استباقا لقرار مجلس الأمن المنتظر, والذي ظل موقف الحكومة تجاهه يتراوح بين الرفض والقبول المشروط بمراقبتها وموافقتها على القوات (عشرة آلاف جندي كما هو مقترح) التي ستبعث بها الأمم المتحدة والتي ستكون قوة مراقبة وقف إطلاق النار الأفريقية جزءا منها... الحكومة بدأت هذه الحملة المفاجئة ضد التدخل الأجنبي، وذلك فيما يبدو استباقا أيضا لاجتماع مجلس الأمن والسلام الأفريقي المحدد له يوم غد الجمعة في أديس أبابا (الأرجح هو أن المجلس سيؤجل اجتماعه لإجراء مزيد من المشاورات بين أعضائه بناء على رغبة السودان في ذلك).
والحديث عن التدخل الأجنبي "حديث ذو شجون" وربما يقود إلى مراجعة الذاكرة السياسية وطرح السؤال المشروع: من الذي بدأ وسعى لتدخل "الأجانب" في الشأن السوداني بدءا من أبوجا بطلبه "الوساطة الأفريقية" بين حكومة الجبهة القومية الإسلامية والحركة الشعبية لتحرير السودان... ثم مرورا "بالوساطات" التي بدأت في لندن وانتهت إلى الطلب الرسمي من الولايات المتحدة الأميركية "التوسط" لتحقيق السلام في السودان، مما قاد إلى نيفاشا وتوابعها؟!
لذلك فإن هذا الصراخ العالي النبرة والذي يستدعي همة السودانيين الوطنية لمحاربة التدخل الأجنبي, والتهديد بتحويل دارفور إلى مقبرة للغزاة الأجانب لن يفيد الشعب السوداني في شيء ولن يحقق سوى المزايدات السياسية لأصحابه مكسبا ولن يرفع أسهمهم السياسية, فالشعب الذي اكتوى وسيكتوي أكثر من السياسات التي حولت قضية دارفور من قضية نزاع قديم بين قبائل عاشت مئات السنيين وهي تتصارع حول الأرض والكلأ والماء, لتعود إلى العقل والحكمة السودانية لتسوية نزاعاتها بالحسنى, إلى قضية دولية عناوينها الرئيسية التصفية العرقية والاغتصاب وتشريد الملايين... الشعب الذي رأى فصول هذه المأساة تجري على أرضه وبأيادٍ سودانية، أصبح همه الأكبر اليوم هو كيف يحول دون انهيار الوطن وتمزقه قبل دخول "القوات الأجنبية الجديدة" إلى أراضٍ سودانية أخرى...؟
والطريق للحفاظ على ما تبقى من وحدة الوطن, والطريق إلى إيقاف التدخلات الصهيونية والأميركية وغيرها... واضح ومعلوم ومجرب لدى السودانيين... إنه يبدأ من داخل السودان وينتهي داخل السودان... فسلامة الوطن وسيادته تعلو على أي شيء آخر سواه وهي واجب وحق لكل السودانيين... فإذا كان الحزب الحاكم وقياداته قادرون على النظر بهذا الفهم الوطني المتواضع, ومستعدون لإعلاء المصلحة الوطنية العليا على مصالحهم الحزبية والشخصية فعليهم أن يعودوا إلى الحق وأن يدعوا بكل التواضع وكل الصدق كل الأطراف السياسية السودانية لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية... حكومة إنقاذ وطني حقيقية وليست صورية، يشارك فيها الجميع على قدم المساواة وتكون مهمتها الواضحة والمحددة إيقاف هذا النزف الفظيع للدم السوداني والسيادة السودانية... هذا هو الطريق الذي سيقود إلى إيقاف التدخل الأجنبي والمؤامرات الصهيونية... وعندما يتحقق ذلك ويقول الشعب السوداني للمجتمع الدولي: نحن قادرون على حل مشاكلنا الداخلية بوحدتنا واتفاقنا بالتراضي الإجماعي, عندها لن تجد القوى "الأجنبية الشريرة" منفذا تدخل منه إلى السودان، وسيكون السودانيون معا جبهة تصد ومقاومة للعدوان!
إن هذه الأيام القادمة في حياة السودانيين أيام صعبة بلاشك, ومن ثم تحتاج منا إلى العقل والحكمة أكثر مما تحتاج إلى الصراخ بالصوت العالي والاندفاع, والتلاعب بالمشاعر والعواطف الوطنية لأبناء السودان.