لا نود أن نكون سوداويين عندما نطرح الشأن الخليجي.. لكن الحقائق التي تحوم فوق رؤوسنا، والأرقام التي تنشرها الوسائل الرسمية وجهاتها "الحذرة" تجعلنا نتألم.. ونتحسر، ونموت
-بداخلنا- ألف مرة، قبل أن نمسك القلم لنتناول شأناً مؤلماً من شؤوننا الخليجية.
فها هو زميلنا الدكتور محمد الرميحي، يصرح بأن المنطقة العربيــة
-كما أحصى الخبراء- أهدرت ما لا يقل عن 3.2 تريليون دولار هي مجاميع دخول النفط، أهدرت في الأمور السياسية غير القابلة للاسترداد، خلال ربع قرن! فماذا استفادت المنطقة العربية من ذلك المبلغ الضخم؟ هل أقيمت الجسور الضخمة التي تفك أزمات السير؟ وهل أُنشئت المستشفيات المتخصصة التي تُغني عن السفر إلى المصحات الدولية؟ وهل أقيمت المسارح التي تعنى بالثقافة؟ وهل أُنشئت المشاريع الاستثمارية الحقيقية التي تعود بالخير على المنطقة؟ وهل أُنشئت دور العناية بالطفل والمرأة على المواصفات العالمية؟ وهل تم تشجيع الجمعيات الأهلية التي تعنى بالثقافة والصحة وحقوق الإنسان؟
قبل ثلاثة أسابيع نشرت الصحف أن الخليجيين استثمروا نحو 240 بليون (بالباء لا الميم) دولار في أصول أجنبية بين عامي 2000-2004، وأن الرقم سوف يرتفع إلى 360 بليون دولار خلال عام 2006. في الوقت الذي اشترى الخليجيون ما يعادل 25 بليونا ونصف بليون دولار في عمليات خارج المنطقة على مدى الـ12 شهراً الماضية، مقارنة بـ11 بليون دولار التي أنفقوها في السنوات الخمس الماضية.
السؤال المُلح هنا: أين الاستثمارات المحلية، أي داخل المنطقة؟ فإذا كان أهل المنطقة يترددون ويخافون من الاستثمار الداخلي، فكيف لنا أن نلوم اليابان، وغيرها من الدول الصناعية على ترددها وخوفها من الاستثمار في المنطقة؟ ونجد هذه الدول تلجأ إلى تايلاند أو ماليزيا وغيرهما لتفتح فيها مشاريعها الضخمة! السؤال له مبرراته، ومن الجُبن أن نتردد في ذكرها.
فأول هذه المبررات، أو الموانع التي تحول دون "طمأنة" المستثمرين - في المنطقة- هي أنها تشهد منذ عقود اضطرابات حادة، وثاني المبررات أو الموانع هو ارتفاع درجة "الاستقطابات" الخارجية، بما في ذلك التدخلات الخارجية، في القضايا المهمة، ولعل أهمها الأمن والسياسات الخارجية! وثالث المبررات أو الموانع وجود المنطقة ضمن محاور التوتر والاقتتال المفاجئ.. فالمنطقة شهدت 7 حروب منذ عام 1948، وهذا أكبر مبرر لعدم استقرار المنطقة. ورابع المبررات أو الموانع، الأطماع الأجنبية في المنطقة، الأمر الذي يجعل القرارات متأثرة بـتلك القوى الأجنبية، ومدى تطابق أو عدم تعارض القرارات مع مصالحها في العالم!
لذلك، قد لا نلوم المستثمرين -دولاً أو أفراداً- إن "رحّلوا" ملايينهم إلى مناطق أكثر أمناً، بل وأكثر "ستراً" من تلصصات الأعين الحاسدة! بل ولا نتعجب إن عانت بعض الدول من الحاجة الفائقة للنقد، في وقت "تهرّب" أموالها إلى الخارج.
قلنا لا نود أن نكون سوداويين في تناول هذا الموضوع المهم، لكن الحقيقة تلزمنا أن نتناول الموضوع بشفافية وألم! ذلك أن النفط -حسب تقديرات العلماء- قد يؤول إلى النضوب بعد حوالى 50 عاماً! وهذا يعني أن دول النفط الغنية سوف تحتاج إلى سيولة تغطي بها مصاريفها، وما لم يؤسس الاستثمار -خارجياً كان أم داخلياً- على أسس سليمة فإن مصير شعوب هذه الدول سيكون في يد المجهول!
الأرقام التي لا تُعلن عن خسائر شركات الطيران المحلية -على سبيل المثال- في الوقت الذي تستأثر فئة معينة أكثر من غيرها بأسطول الشركات أو الشركة. أليس هذا هو الهدر غير المرئي والذي يسبب إزعاجاً للشركة وللمواطنين؟ ولن نتحدث عن مرافق أخرى حتى لا تزعل علينا البقية الباقية من القوم الذين يثقون فيما نقول، لكن قضية استئجار الدولة -أي دولة كانت- لعمارات وبيوت وإدخالها على ملف الإسكان، بسبب أن أصحابها من "عِليّة" القوم، دون أن يسكنها أحد، مثال آخر على الإنفاق غير المبرر!
نصل إلى السؤال الأهم: كيف ستتعامل هذه الدول مع واقع نضوب النفط؟ وهل ستقوم الدول الحليفة لها بـ"الإنفاق" عليها رداً للمعروف؟ أم ستقوم الدول المنكوبة والتي تستفيد من المعونات النقدية "الملايينية" برد الجميل، وهي لا تملك "شروى نقير"!
نحن نعتقد أن الدول الكبرى، والتي تحرص على علاقات وطيدة مع دول الخليج طمعاً في ضمان تدفق النفط، لن تلتفت لها بعد نضوب النفط، بل وستعدها مثل الدول الأفريقية التي تعيش على خط الفقر وخط التاريخ. ولا نعتقد أن شبابنا إن عادوا للعمل على الكلأ والعشب أو البحر -وهم لا يستطيعون ذلك- سيجدون مساعدة من الدول الكبرى المتقدمة، وحتماً ستعود إلى نعتهم بـالمتخلفين! هذا ملف يجب فتحه! وعلى الدول استشراف آفاق ما بعد النفط، لأن الشعوب لا تستطيع فتح هذا الملف اليوم، وضمن "شهوة" المفهوم الاستهلاكي للمادة! ولا يستطيع أي كاتب أن يشير إلى "التقنين" المطلوب في صرف عوائد النفط! لأن وزارة المالية هي المسؤولة عن ذلك، وأن بنود الميزانية تحدد وفق معطيات لا زالت محل نقاش بين الأوساط المثقفة، وا