يصادف هذا الشهر مرور نصف قرن على استقلال المملكة المغربية، وهي مناسبة ملائمة للتعرف على نساء العلم المغربيات. فالمغرب، بالنسبة لعالماته، كالقفطان المغربي التقليدي يحتضن أداءهن في علم السياسة، كما في علوم اللسانيات والكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والهندسة والطب. وبالمغرب تصبح كل واحدة منهن "المرأة الخالدة التي ترفعنا إلى الأعلى"، حسب الشاعر الألماني غوته. يظهر ذلك في السيرة العلمية لفاطمة المصدّق، أستاذة علم السياسة في "كلية العلوم القانونية والاقتصادية" بجامعة فاس. ففي مؤلفاتها المكرسة بالكامل تقريباً لمواضيع محلية تسعى السياسة إلى تحقيق حلمها بأن تصبح علماً. وعلى خلاف توجه معظم الأكاديميين العرب لدرس نظم السياسة والقوانين الدستورية في الغرب، تجعل فاطمة المصدّق المغرب مختبر أبحاثها، وتُرينا ما يخفى عن السياسيين المحليين، أو يخفونه عن أنفسهم وعنّا. ولعل هذا سر شعبية كتبها الأكاديمية المنشورة بالعربية والفرنسية والإنجليزية: "التراضي أم لعبة التراضي؟"، و"متاهات التناوب"، و"الإصلاح الدستوري والأوهام التوافقية". ويذهب كتابها الأخير "منعطف النزاهة الانتخابية" إلى ما وراء تقرير "لجنة الإنصاف" التي أحدثت هزة عربية ودولية بالكشف عن فظائع تعذيب المعتقلين السياسيين وعوائلهم على مدى نحو نصف قرن. وبالنسبة لها يرتبط الحديث حول إنجاز تقرير "لجنة الإنصاف" بتقرير التنمية البشرية خلال 50 عاما من الاستقلال، وهي لا تُغفل الرأي القائل بأنه يتعذر طي صفحة الانتهاكات إلا بتقرير المسؤولية الجنائية والمدنية في مواجهة الدولة.
هنا لا تستسلم فاطمة المصدّق للأوهام التوافقية، بل تكدّ في استقراء النصوص التاريخية والمعاصرة، وتحصي حتى عدد الأسئلة التحريرية والشفاهية لأعضاء البرلمان، باحثة حسب تعبيرها "في العمق"، ليس عن النتائج فحسب، بل عن أسبابها.
وتعترف أستاذة علم السياسة المغربية أنها ما تزال تشعر على عتبة كل بحث علمي بالتهيّب والوجل. مشاعر لازمتها وهي تنتقل للدراسة من مسقط رأسها في مدينة القنيطرة إلى كلية الحقوق بالرباط، ثم إلى جامعة باريس، حيث أصبحت أول مغربية تنال دكتوراه الدولة في علم السياسة. ولم يفارقها "وجل القنيطرة" حتى بعد ممارستها التدريس في كلية الحقوق في تولوز بفرنسا، وشعرت بوطأته وهي تقف في مقتبل حياتها الأكاديمية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي على العتبة ما بين السلطة العليا وأحزاب المعارضة لتعلن أطروحاتها حول العلاقة بين المشروعية التي يمثلها الملك، والشرعية التي يمثلها البرلمان. آنذاك رصدت دقائق الحياة السياسية اليومية لتكشف عن وجود ما تسميه "الدستور الصريح" و"الدستور الضمني"، و"الدستور المُطالب به". وأظهرت أن "التصويت على الدستور قد يحقق الإجماع حوله، لكن تأسيس الإجماع على الدستور عملية جد معقدة، تتطلب من جهة تأسيس الممارسة السياسية على قاعدة سموّ الدستور ودعم استقلالية المؤسسات، وتتطلب من جهة أخرى تأسيس نزاهة الانتخابات". وفي كل هذا تتحمل المسؤولية أطراف المشروعية والشرعية على حد سواء. فالممارسات السياسية لم ترتق بعد، حسب رأيها إلى مرحلة تأسيس السلطة السياسية بالطريقة التي تجعلها متوافقة مع متطلبات الديمقراطية ودولة القانون. وقد تساعد أبحاثها على درس المعضلات السياسية لدول المشرق العربي، والكشف خصوصاً عن الحقائق الأساسية في عمق الكارثة العراقية، حيث انتهك تواطؤ قوى سياسية محلية وإقليمية ودولية، ليس مشروعية نظام الحكم فحسب، بل شرعية الدولة أيضاً.
ولا تبتعد عن المغرب نساء العلم المغربيات حتى في علوم الطبيعة والهندسة والتكنولوجيا، حيث يجمعن بين البحث العلمي والأداء الأكاديمي والمسؤوليات الإدارية والعمل الميداني. رقية مُصدّق (وهي ليست شقيقة فاطمة المصدّق) عميدة وأستاذة "معهد الفلاحة والطب البيطري" في "جامعة الحسن الثاني" بالرباط ، حصلت على الدبلوم العالي في الزراعة، والطب البيطري من الجامعة نفسها، والدبلوم العالي بالهندسة الزراعية من "المعهد الوطني للزراعة" في باريس بفرنسا، وعلى شهادة الدكتوراه في المحاصيل الزراعية من "جامعة كولورادو" بالولايات المتحدة الأميركية، وأشرفت على نحو 40 رسالة دكتوراه وماجستير، فيما هي تعمل في برامج وزارة الفلاحة المغربية لتدريب المزارعين المحليين على أصول استخدام الأسمدة، والزراعة الرشيدة، وزيادة الغلة، وتحسين الثروة الحيوانية الزراعية. ونشرت خلال ذلك 40 بحثاً بالفرنسية والإنجليزية في الأسمدة، والحبوب، والبيطرة، إضافة إلى بحوث اجتماعية عن أوضاع نساء المغرب المزارعات.
وأقامت زبيدة شروف، أستاذة الكيمياء في "كلية العلوم، جامعة محمد الخامس" بالرباط مختبرها في قلب الريف المغربي المتاخم للصحراء. موضوع أبحاثها شجرة مغربية أصيلة يطلق عليها اسم "أرغان" Argan, وبواسطتها أنشأت شبكة إنتاجية تعاونية من نساء القرى، وروّجت للمشروع في الندوات والمطبوعات العالمية، وجلبت له مساعدات من منظمات دعم المشاريع العلمية الدول