عندما قامت مجلة "ساينس" العلمية مؤخراً بسحب مساهمتين للباحث الكوري الجنوبي الدكتور "وانغ وو سوك"، فإنها تكون بذلك قد أكدت رسمياً ما أصر هو على إنكاره منذ عدة أشهر، ألا وهو حقيقة أن الدكتور "وانغ" قام بفبركة أدلة تثبت نجاحه في استنساخ خلايا بشرية. غير أن مجلة "ساينس" لم تكن الوحيدة التي أطلعت العالم على بحث الدكتور "وانغ"، ذلك أن العديد من الصحف ووكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية تناقلت الخبر، وذلك على غرار ما تفعل عادة مع المعلومات التي تنشرها المجلات العلمية الرائدة. وعلى خلفية ذلك، أعلنت العديد من وسائل الإعلام أنها ستتعامل مع ما تنشره المجلات العلمية مستقبلاً بمزيد من الحيطة والحذر.
ولكن إلى جانب الحيطة والحذر، لم يتغير الشيء الكثير في طريقة تعامل الصحف مع المجلات المتخصصة، إذ يقر محررو الصحف بصراحة اعتمادهم الكبير على هذه المجلات. ففي صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" مثلا، كما تقول "آشلي دان"، المحررة العلمية في الصحيفة، نصف الأخبار العلمية التي تنشر على صدر الصفحة الأولى مصدره المجلات العلمية. ومن جهته، يقول "جيدون جيل"، محرر أخبار الصحة والعلوم في صحيفة "بوسطن غلوب"، إن ثلثي الأخبار العلمية التي تنشر عادة هي مستقاة من البحوث التي تنشرها المجلات العلمية المتخصصة. وإلى جانب الصحف، تقوم الأسبوعيات والقنوات التلفزيونية والإذاعات ومواقع الإنترنت أيضاً بانتقاء مواضيع من المجلات المتخصصة ونقلها للجمهور.
الواقع أن ثمة حدوداً للمراجعة والتدقيق الذي يمكن للمحررين العلميين القيام به، علما بأن معظمهم ليسوا متخصصين في العلوم. صحيح أن المجلات العلمية تمنح الصحفيين عدة أيام للاتصال بمتخصصين في الميدان، والتحقق من الهوامش الواردة في المقال وكذا نتائج البحث، ولكن ذلك قد لا يكون كافياً. وفي هذا الإطار يقول "روي بيتار كلارك"، الباحث بمعهد "بوينتار إينستيتيوت" والمتخصص في الصحافة، "إن الاكتشافات العلمية أصعب لأنها كثيراً ما تتطلب من الصحفي قدراً كبيراً من الدراسة والمتابعة وبعض الإرشادات التي تساعد على فهم المسائل التقنية"، مضيفاً "ولكنني أعتقد أن كشف الفضائح يحتاج إلى درجة من التشكك من جانب الصحفيين، وربما أيضاً إلى بروتوكول جديد بين العلماء والصحفيين".
والواقع أن قضية "وانغ" لم تكن المرة الأولى التي يخدع فيها الصحفيون، حيث أعلن محررون في مجلة "ذي نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" المتخصصة أنهم يشتبهون في أن دراستين حول مرض السرطان قاموا بنشرهما ربما تتضمنان معطيات مفبركة. وفي شهر ديسمبر أعلنت المجلة نفسها أن مُعدي إحدى الدراسات حول المسكن "فايوكس" لم يتطرقوا إلى حقيقة أن عدداً من المرضى تعرضوا لنوبات قلبية أثناء فترة تناولهم العقار على سبيل التجربة. إلى ذلك، تم إلغاء إحدى الدراسات التي أنجزت حول مسكن "سيليبريكس" والتي نشرت في مجلة "ذي جورنال أوف أميركان ميديكال أسوسيياشن" المتخصصة، وذلك بعدما تبين أن معدي الدراسة استندوا إلى معطيات ستة أشهر، بدلا من اثني عشر شهرا من المعطيات التي قاموا بجمعها.
ولئن كانت المجلات العلمية المتخصصة تقوم بعملية مراجعة وتدقيق لتقنيات البحث والاستنتاجات التي تخرج بها الدراسات المزمع نشرها، فإن الصعوبة الكبرى بالنسبة للمحررين العلميين تكمن في محاولة التقاط ما قد يغفله محررو المجلات العلمية. ويرى "ديفيد بورلمان"، المحرر العلمي في صحيفة "ذي سان فرانسيسكو كرونيكال"، أنه بالرغم من حالات الغش والفبركة، فإن معظم ما تقوم بنشره المجلات العلمية المتخصصة ذو مصداقية ولا غبار عليه. ومن بين أعرق المجلات العلمية المتخصصة التي درج الصحفيون على استشارتها ثمة "نيتشار" و"ساينس" و"ذي نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" و"ذي جورنال أوف أميركان ميديكال أسوسييشن". ويقول السيد "بورلمان": "أعتقد أننا تلقينا جميعاً درساً كافياً يفرض علينا ضرورة مضاعفة الجهود. إنهم (محررو المجلات المتخصصة) الآن حذرون أكثر، وكذلك الصحفيون. والأكيد أنني أكثر حذرا الآن في التعاطي مع هذه الأخبار مما كنت عليه منذ خمس أو عشر سنوات".
لقد كانت عمليات المراجعة والتدقيق التي يقوم بها خبراء المجلات العلمية قبل نشر الدراسات، والتي يفترض أن تكون الحاجز الأول في وجه الغش والفبركة، محط انتقادات شديدة في الآونة الأخيرة، حيث خصصت مجلة "ذي ساينس" المتخصصة في عددها لشهر فبراير موضوع الغلاف لهذه القضية، وأوردت أن المجلات العلمية المتخصصة باتت تتوصل بالمزيد من المساهمات كل سنة، منتقدة فرض ضرائب مرتفعة على الخبراء العاملين بهذه المجلات والمنوط بهم مهمة مراجعة البحوث وتدقيقها، وهو ما يؤدي حسب المجلة إلى إضعاف عملية المراجعة.
وعقب فضيحة الدكتور "وانغ"، أعلنت مجلة "ساينس" المتخصصة أنها تدرس حالياً إمكانية اتخاذ جملة من التدابير بهدف تلافي الغش والفبركة في البحوث العلمية. وأعلن الدكتور "دونالد كنيدي"، مدير تحرير مجلة "ساينس"، شهر يناير المنصرم أنه من بين التدابير الجا