منذ أيام وأظنه كان خلال شهر رمضان المبارك (الفائت) قرأت في مربع الاجتماعيات في صحيفة (الشرق الأوسط) عن مناسبة اجتماعية أقامتها دينا قعوار سفيرة المملكة الأردنية في فرنسا· لا أنكر بهجتي بذلك لسببين، أولهما الإضافة إلى معلوماتي -القاصرة دوماً- بوجود نساء عربيات في مراكز قرار مهمة· والثانية لأنها امرأة في موقع له فاعلية· والأمر الأخير هذا بالذات هو الذي صار مؤخراً العامل الرئيسي لإحياء الأمل في نفسي بأن الدنيا -العربية بالذات- ما زالت بخير وأننا نسير على الصراط المستقيم· لكن وجود أخريات وفي ذات الموقع بدأ يهز الصورة في ذهني بعض الشيء·فإلى جانب السفيرة الأردنية هناك صبا ناصر سفيرة للجمهورية السورية وليفي فضل الله سفيرة للبنان وكذلك لمملكة البحرين الشيخة هيا بنت راشد، وأظن أن فلسطين تمثلها في باريس امرأة كذلك الأمر الذي رسم علامة استفهام قسرية وكبيرة في رأسي بحثاً عن السر؟ هل هو في باريس أم في المرأة العربية أم في المهمة الدبلوماسية في عاصمة يربطها مع العرب الكثير من الثقافة والقليل من السياسة؟
إن الحياة في الوطن العربي كما هي في بلاد العالم، حياة تنمو بالذكر والأنثى معاً مهما اختلفت نسبة الذكور إلى الإناث· فهناك دوماً قانون غير مكتوب وغير مرئي يأخذ باعتباره النسبة والتناسب من الناحية النظرية، والمؤمل أن يفرض وجوده بالعمل أيضاً باتجاه التنمية تاركاً -عادة- النسبة العددية، آخذاً تركيزه حيث يجب أن يكون التركيز نحو مجال التعليم والتجربة والخبرة· ولكن عملياً ووفق التجربة العميقة الجذور في البلاد العربية العريقة مثل مصر والدول الحديثة مثل دول الخليج فإن الميزان ينقلب ألف مرة محاولاً اللحاق بالاتجاهات السياسية التي تضيف (المرأة) إلى قائمة ضحاياها·
لم تصل المجتمعات العربية -حتى اليوم- إلى الاعتراف بأنها قضية (مجتمع) ولا علاقة لها بالذكورة والأنوثة وأنها فجوة اجتماعية لا يمكن القفز لتجنبها دون ردمها بإلغاء التمييز جملة وتفصيلاً·
ومما يدل على (التراخي) في التعامل مع قضية التمييز هذه، أن محاولات كسر القيود ما استطاعت أن تتعدى الخدمة الاجتماعية مثلاً وهي في التصور الذكوري إنما تمثل امتداداً للخدمة المنزلية في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة من النساء والأطفال· ولما اتسعت قليلاً ووصلت إلى مهمة (الثقافة) لنلاحظ أنها الثقافة وليس الإعلام، مثلاً لأن الثقافة هي إعلام عن الموجود لكن الإعلام هو إعلام عن المتوقع· هذا الذي يحتاج إلى أدوات فكرية وسياسية قد تعجز عنها المرأة -كما يظنون·
وأعتقد أن أهم القيود التي كسرتها الكويت وكانت في اختيار إمرأة لمنصبي مديرة الجامعة وسفيرة في زيمبابوي مروراً في فيينا ثم أخذت طريقها كمندوبة دائمة في الأمم المتحدة· وقد كسرت هذه القيود مصر في اختيار وزيرة للاقتصاد ولكن قياساً بعمر وعمق بلادنا العربية تبقى خطى الخليج نحو إلغاء التمييز أسرع، ولكنها ما زالت غير مرضية ويجب أن تظل غير مرضية ولكن للجنسين، إذ من المهم أن يرفض الرجل التمييز قبل أن ترفضه المرأة إذا كنا ننشد وجود مجتمع صحي مؤهل للنمو·
أملي كبير ألا تكون تلك الكوكبة الباريسية على شاكلة ذر الرماد في العيون وإن كانت كلا أو بعضا فلتعمل معا -جاهدة- على تغيير تلك الصورة النمطية، فالجهد الخارجي مفيد لنا في الداخل لا كدعاية ولكن كإعلام، وأظن أن السفيرات يعلمن تمام العلم ويدركن تمام الادراك الفرق ما بين الدعاية والإعلام· لعلها بذرة جديدة لجامعة عربية فتية تحل محل تلك الهرمة الغافية في مصر·