القرار هو البت النهائي في قضية أو أزمة، انطلاقا من إرادة محددة وفي إطار ظروف معينة، تضمن الوصول إلى هدف محدد أو نتيجة بعينها أو تغيير نحو الأفضل، لذلك توجد علاقة عكسية تربط القرار بالموضوع، بمعنى أنه كلما كان القرار، وليس التوصية أو البيان، أو ''طق الحنك''، حاسماً وواقعياً ويوجد إصرار على تنفيذه، فإن القضية أو الأزمة تتجه إلى الانتهاء، ولا تظل لها ذيول تكبر وتتسع وتتشعب وتتجذر؛ وبالطبع يعتقد بعضهم باستحالة حلها·
لقد آن أوان اتخاذ القرارات المصيرية العربية، بعد أن أصبحنا في مفترق الطرق حتى يظل العرب على خريطة العالم، لأن البديل هو الرحيل إلى ظلمات الكون عبر ثقب الأوزون، حيث استمر العرب لفترات سحيقة يؤجلون مواجهة قضاياهم، ويهربون من اتخاذ القرار، ولكن الأحداث تتلاحق وتتصاعد، والفجوة تتسع بين الطموح والواقع، والهوة تزداد بين المأمول والممكن، والسدود ترتفع بين الحلم والواقع، ودوامة الحاضر تحبط رؤية المستقبل، والجسور الممتدة بين الأمل والرجاء تنهار، وما كنا نطمح إلى تحقيقه بالأمس القريب أُجبرنا، بدلا منه، على قبول ما فُرض علينا اليوم، وفقدنا الحد الأدنى مما نصبو إليه، ومـــا نشجبه اليـــوم سنحاول أن نحصل على فتاته غداً·
لقد حان وقت القرارات المصيرية حتى يستطيع العرب أن يبدؤوا أولى خطواتهم الصحيحة ليكون لهم دور مؤثر في هذا العالم، ويصحوا من سباتهم، ويلحقوا بالكرسي الأخير من العربة الأخيرة من آخر قطار يغادر محطة التاريخ المعاصر، وإلا فإن استمرار الوضع على ما هو عليه سيضع العرب تحت قطار الزمن الذي لن يتوقف لأحد، ولا توجد أية أسباب موضوعية أو منطقية تمنع العرب من اللحاق بقطار العالم سوى اتخاذ القرارات الواضحة والحاسمة تجاه القضايا المصيرية، بعد أن ظل الفشل هو المحطة التي توقف عندها الأداء العربي، وبات الإحباط طريقاً لا نهاية له للقضايا العربية·
ومن المضحك المبكي في آن واحد أن قضايا العرب معروفة منذ عقود سحيقة مضت، ولكنهم لا زالوا يراوحون مكانهم ولم يتحقق شيء منها سوى النكسات تلو النكبات، وصاروا كالببغاء في تكرار التصريحات ذاتها، والتمسك بالشعارات نفسها، وإطلاق البيانات والتوصيات عينها·
على مدى أكثر من ستة عقود ظل العرب على مستوى الحكومات والنقابات والمنظمات يشجبون ويدينون ويرفضون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ويطالبون بإقامة الدولة الفلسطينية فقط، ولا أحد يدري ممن يطلبون، ويؤيدون الكفاح المشروع للشعب الفلسطيني المغلوب على أمره وهو يواجه معزولاً الآلة العسكرية الجهنمية الإسرائيلية··· أما آن الأوان لاتخاذ قرار عربي مصيري تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهنا نجد أنه لن يخرج عن أحد الخيارات الآتية:
1- ترك القضية لأصحابها من الفلسطينيين، بعد أن أصبح لإسرائيل سفارات ومكاتب تجارية في العديد من الدول العربية، ووصل حجم تجارتها، العلني والمستتر، مع معظم الدول العربية إلى ما يزيد على النصف مليار دولار، ربما يعترف العالم بالقهر الذي يواجهه الشعب الفلسطيني منفرداً وندحض مقولة إسرائيل العالمية بأن 21 دولة عربية تقف ضد إسرائيل·
2- وإما أن نبدأ التفاوض المباشر الجماعي مع إسرائيل لحل القضية في ظل طرح ضمانات للأمن الإسرائيلي والتلويح الحقيقي بإغراءات اقتصادية وسياسية تكون بمثابة مقايضة، حيث توافق إسرائيل على جدول زمني محدد لا يزيد على ستة أشهر يتم خلالها إقامة الدولة الفلسطينية في مقابل حصول إسرائيل على مصالح استراتيجية متعددة مع معظم الدول العربية·
3- وإما التمسك بمبدأ ما أخذ بالقوة··· لا يسترد إلا بالقوة، فيتم دعم الكفاح الفلسطيني المسلح بصورة واقعية وعملية، ويطلق النفير لإعلان الجهاد الفلسطيني، ويتم تدريب سائر الفلسطينيين الموجودين في الخارج على القتال، ويجري تنظيم جيش جيد التجهيز والإعداد لتحرير فلسطين، ويتم فوراً إيقاف أي تعامل أو مفاوضات أو تصريحات مع إسرائيل·
4- وإما أن يستمع العرب لكلام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ويبدؤوا التفاوض مع أوروبا والدول الغربية المعنية والدول الشرقية لاستعادة يهودهم من فلسطين، ولكن على العرب الاستعداد الجيد لهذه المفاوضات بدراسة أبعاد الموضوع كافة من تكلفة وعائد مادي، ومزايا عودة الدولة الفلسطينية وعيوبها، وقوى التأثير والإقناع المتوافرة لدى الدول العربية لتحقيق ذلك·
العرب في حاجة ماسة إلى قرار يضع نهاية للوضع القائم في العراق، ومعاناة شعبه العربي وصراعه من أجل الحياة، لأنهم يملكون خيارات عدة تستطيع أن تحقق مصالح الاستراتيجية العربية العليا، ومن أهم هذه الخيارات:
1- التنصل من العراق كدولة عربية، والاعتراف بها كـ''ولاية أميركية''، وهذا القرار يرفع الحرج عن العرب الذين ظلوا لعقود يتفرجون على ما يحدث في العراق وللعراق، وفي الوقت نفسه يورط أميركا لتتدخل بكل ثقلها الاقتصادي والسياسي والعسكري والتقني لبناء عراق جديد، وفي هذه الحالة ستسد أفواه من يهاجمون بوش الصغير وإدارته على تورطهم في العراق، لأن الع