تعيش الكويت هذه الأيام مرحلة انتقال السلطة، ولكن الجميع يحتكمون لدستور البلاد كي يحسموا خلافهم· وفي العراق أفرزت الانتخابات برلماناً متعدداً افترق فيه العراقيون إلى طوائف وأحزاب، تماماً مثلما هم، في انعكاس صادق لحقيقتهم المتعددة التي لا يجوز أن تكون معيبة لمجتمع حديث· وفي النهاية لم يجدوا بعدما اختلفوا واختصموا إلا أن يتعايشوا معا ويشكلوا حكومة وحدة وطنية·
أما في فلسطين، حيث طال الخلاف بينهم حول من يمثلهم ويقودهم في جهادهم أو نضالهم (فحتى في المصطلح اختلفوا) من أجل تحرير الوطن، اختاروا أخيرا أن يحتكموا إلى الصندوق الزجاجي كي يفرزوا تلك القيادة الوطنية· هذه ملامح نظام عربي جديد بات يتشكل من حولنا، ليؤكد أن ثمة بداية لنهضة عربية جديدة يعيشها جيلنا، بغض النظر عن أسباب هذه النهضة، سواء كانت قوة التاريخ التي وصلت أخيراً إلى ضفتنا، أو أنها قوة أجنبية ضاغطة أو هي نتاج حراك محلي أثمر أخيراً، ولعلها أيضا استفادة واستفاقة من إخفاقات الماضي، المهم أنها أخبار جيدة·
البديل للاحتكام للدستور في الكويت هو انقسام يضعف الجميع، أو لا قدر الله احتكام للقوة، ولو حصل ما يحصل في الكويت في إحدى الجمهوريات العربية الثورية التقدمية، لرأينا الدبابات في الشوارع والمتاريس في الطرقات، ولكن البناء السياسي والاجتماعي في الكويت منسجم مع ذاته، مستند إلى شرعية حقيقية هي دستور ارتضاه الشعب والأسرة الحاكمة· وفي الدساتير المحكمة، قوانين وبنود يضعها المشرعون لا تستخدم إلا مرة أو مرتين في تاريخ البلاد، ولكنها موجودة كصمام أمان يحتكم إليها ويطمئن لوجودها الشعب لتجاوز تلك الحالات الاستثنائية· هذه الدساتير ستكون أحد ملامح النظام العربي الجديد·
في العراق جرت انتخابات مثيرة للجدل، رفضها ''الأحرار'' العرب في الخارج و''الزرقاويون'' في الداخل، بينما ارتضاها على علاتها حتى أولئك الناقمون على الاحتلال والوضع المعوج الراهن في بلادهم، ولكنهم حكماء أدركوا أن لعبة السياسة تقوم على المشاركة والمطالبة والمغالبة· جرت الانتخابات وتميزت بمشاركة واسعة من العرب السُنة وانتهت بفرز برلمان عراقي متعدد بشكل لم تتعوده برلمانات العرب حيث يصطف أعضاؤها كنسخ مستنسخة يهبون معا ويهللون معا ويتفقون معا ويختلفون معا، أحيانا يرقصون للزعيم، وأحياناً يجهشون بالبكاء والعويل· يتحول صاحبهم إلى خائن فلا يخرج عن رأيهم هذا واحد، لو عاد الزعيم ورضي عنه يجعلون منه نبياً·
في البرلمان العراقي القادم لن نرى شيئاً من ذلك، وإنما اختلاف وتعارض وتحزب وتكتل وتبديل مواقف ومساومات وتصفية حسابات، إنها النفس البشرية على فطرتها الأمّارة بالسوء والديمقراطية الانتهازية، والتي للأسف، لن يجد بعض العراقيين أفضل منها لجمع شتاتهم وتنظيم تعددهم· الأصوليون الشيعة الحالمون بمد ولاية الفقيه على عتباتهم المقدسة سيحرمون من حلمهم هذا؛ فهم لم يفوزوا بالغالبية المطلقة، لأن الأصوليين السُنة سيكونون شركاء غير مريحين لهم يمنعونهم من ذلك الحلم· والعلمانيون الأكراد سيتفاوضون مع الاثنين لضمان مكاسبهم، وفي النهاية سيتعلم الجميع فنون التعايش والتقاسم والتراضي وأنصاف الحلول· والبديل لذلك هو حكم ديكتاتوري قاس يوحد الأمة خلف زعيم واحد، قد يبدو هذا الخيار جذاباً للبعض ولكن العراقيين جربوه لعقود خسروا فيها الكثير من الدم والكرامة والاستقرار والثروات· روح التوافق والنزول عند رأي الآخر واحترام التعددية ستكون من ملامح النظام العربي الجديد·
في فلسطين، ومنذ زمن ما قبل النكبة وبعدها، كانت اللعنة التي أدت إلى إضاعة البلاد والعباد، هي الصراع حول الزعامة بين الشخصيات الفلسطينية الوطنية، ومن ثم الأحزاب ومن بعدهم الثوار والفدائيون· عشرات المنظمات كلها ادعت أنها تمثل الشعب وأنها قائدة للنضال· دول عربية دخلت على الخط فزادت الطين بلة، حتى عندما انحسرت الساحة عن حركتين رئيستين هما ''فتح'' الوطنية و''حماس'' الإسلامية، لم تستطع هاتان الحركتان الاتفاق، وخربت كل واحدة على الأخرى، ''فتح'' خربت على ''حماس'' انتفاضتها عندما تفاوضت خلف ظهر كل فلسطينيي الداخل وانتهت إلى اتفاقية ''أوسلو'' التي أعادتها إلى الوطن وسلطة وطنية تحت الاحتلال أو بجواره، وكان رد ''حماس'' أن خربت ''أوسلو'' واتفاقياته على الأولى، وكان أن دفع الشعب والقضية الثمن، مزيدا من الخسائر، مزيدا من المعاناة·
ويبدو أن الطرفين أدركا أن انقسامهما خطأ وتناحرهما كان خطأ أكبر، ووحدتهما مستحيلة وليس في ذلك ما يعيب، فالتعددية أمر طبيعي في الشعوب، ولكن مرة أخرى ما من حل سحري غير تلك الديمقراطية الغربية· غداً الأربعاء سيحتكم الفلسطينيون إلى صندوق زجاجي لحسم أزمتهم الأزلية مع القيادة، ربما لو جرت انتخابات حرة في الثلاثينيات، وقبل النكبة، لما ضاعت فلسطين!
النتيجة المهمة لن تكون فوز ''فتح'' أو ''حماس''، وإنما اعتراف الجهتين بنظام تحتكمان إليه وبه عند الاختلاف، والقبول بالمشاركة، وتحمل المسؤولية، نتائج الانتخاب