احتضنت بيروت منذ أيام تظاهرة فكرية ثقافية جامعة قلما شهدتها عاصمة عربية· والمناسبة كانت، انعقاد المؤتمر الثاني لمؤسسة الفكر العربي تحت عنوان: استشراف المستقبل العربي· والمؤسسة كما هو معروف، قامت على شراكة بين رجال الفكر والثقافة ورجال الأعمال والمال! وهي تجربة جديدة وفريدة· النظرة التقليدية الى رجال الأعمال والمال أنهم لا يهتمون إلا بالربح السريع· وكل شيء في حساباتهم وتحركاتهم وانشغالاتهم تجارة وربح! والنظرة الى رجال الفكر والثقافة، أنهم يعيشون في عالم خاص يطلقون النظريات والمصطلحات والشعارات، وقلة منهم تقوم بعمل ميداني مباشر أو تنخرط في حركات سياسية لترجمة هذه الأفكار·
ولذلك، تأتي تجربة المؤسسة في ظرف استثنائي لتقدم صورة أخرى عن نوعية الرجال المذكورين في موقعيهما المختلفين· إنها محاولة للاستفادة من المال للدفاع عن الأفكار والقضايا التي تعيشها أمتنا· ولذلك هي تجربة تستحق الاحتضان والمعاناة، لكن المسؤولية على أصحابها كبيرة جداً خصوصاً بعد انعقاد مؤتمر بيروت· ففي القاعة ذاتها التي انعقد فيها المؤتمر، عقدت القمة العربية منذ سنتين تقريباً، وأقر القادة العرب مشروعاً اعتبر الفرصة الأخيرة للسلام مع اسرائيل إذ قدموا فيه أقصى ما يمكن أن يقدم!
وبعد ذلك حصلت تطورات كثيرة أسقطت هذا المشروع وأبعدت الأميركيين عن كل التزام به أو تأييد له أعلنوه في أكثر من مناسبة· فالوضع في فلسطين الى مزيد من التدهور والعنف والقتل والإجرام والإرهاب الاسرائيلي ضد المدنيين، ومزيد من ضم الأراضي وتهويد القدس وبناء المستوطنات، وربما تهجير جديد للفلسطينيين وكل ذلك يحظى بالدعم الأميركي ·
وفي العراق احتلال أميركي-بريطاني، وعناد أميركي في تجاوز كل الأصول والأعراف والشرائع والقرارات الدولية· ومحاولات افتعال فتن مذهبية وطائفية وعرقية في البلاد لتكريس سيطرة الاحتلال عليها لأطول مدى ممكن، ومصادرة للثروة النفطية في ظل انقطاع التيار الكهربائي، وعدم توفر المياه، وتفشي الأمراض، والمجاعة، والفقر في أغنى دولة عربية· وفي كل ذلك اعتراف أميركي - اسرائيلي بدور أمني لاسرائيل في العمليات ضد العراقيين وفي شراء اسرائيليين عقارات كثيرة في مناطق مختلفة من العراق·
يضاف الى ذلك مشهد عربي يعمق أزمة الثقة بين الحكام وينعكس سلباً وخطراً على الدول كلها مع اتساع رقعة تهديدها من قبل أميركا وإسرائيل تارة بقوانين محاسبة وطوراً بالمعاقبة المباشرة والعدوان!
لا نحمل بالتأكيد مسؤولية استشراف ومواجهة كل هذه التحديات لمؤسسة الفكر العربي وحدها· ولكنها وبعد مؤتمر بيروت قادرة على لعب دور أساسي في رد التحدي وفي كشف الحقائق ومخاطبة داخلنا العربي بصراحة تامة، والعالم الخارجي بكل ثقة على قاعدة مقارعة الحجة بالحجة· فإذا كان المؤتمر قد نجح في استقطاب عدد كبير من المثقفين والرؤساء وقدم تجربة جديدة في الحوار بين الشباب والمسؤولين، وبين المثقفين أنفسهم، والمثقفين والمسؤولين، وإذا كان قد جمع مجموعة كبيرة من الأفكار والطروحات منها ما هو قديم ومنها ما هو جديد، فإن العبرة تبقى الآن في التنفيذ!
فما هي خطوات المؤسسة المقبلة؟
كيف سنطل على الغرب؟ هل سيكون حواراً معه من خلال مراكز الدراسات والبحوث والمراكز الثقافية ومراكز القرار في المؤسسات العربية والدولية ؟
هل سنرى مفكرين ومثقفين وإعلاميين وسياسيين عرباً في عواصم القرار يناقشون المراكز والمؤسسات المذكورة بشكل علمي منطقي موضوعي يكشف مزاعم الآخرين ويقدم الصورة الحقيقية عن العرب؟
هل سيكون تركيزاً جدياً على اللغة العربية في أوساط المغتربين من أبناء الجاليات العربية الذين لا يتقنونها؟
وهل سيكون اهتماماً بهم وتأكيد تواصل معهم من خلال اللغة التي ينطقون بها اليوم الى جانب الاهتمام بلغتهم الأم العربية؟
هل سيكون الاهتمام بالاعلام فضائيات وأرضيات مسموعة ومرئية وصحفاً وانترنت ووسائل مختلفة بالمستوى المطلوب للاستفادة من التطورات العلمية والتقنية؟
هل سنكون أمام عمل جماعي يحمي الذاكرة القومية والآثار بمعالمها التاريخية المختلفة، ويحفظ كنوز وثروات هذه الأمة؟
هل سنرى اهتماماً بالعلماء العرب الفقراء مادياً المنتشرين في كل دول بقاع الأرض، بتجاوز تكريمهم بدروع أو جوائز مالية متواضعة مهما بلغت قيمتها؟ ولماذا ينتج هؤلاء عند الآخرين ولا ينتجون عندنا ولنا؟ أليس بسبب عدم وجود رؤية عندنا وبالتالي فرص عمل وإمكانات ليطوروا قدراتهم ويعطوا أفضل إنتاج؟
وهل سنرى اهتماماً بموضوع المياه، وبالفقر والجوع، وبالسعي الى نظام متعدد الأقطاب وبالتعددية الثقافية، وبالتطوير لأنظمتنا السياسية والتربوية المنطلق من واقعنا وطبيعة مجتمعاتنا والمنسجم مع متطلبات العصر في آن معاً؟
وهل سنرى اهتماماً بالأسرى والمعتقلين في السجون الاسرائيلية، إعلامياً وروائياً وسياسياً وثقافياً وفكرياً، لاسيما وأننا قدمنا أمام المؤتمر وثيقة تؤكد أن أصغر أسير في التاريخ هو الطفل الفلسطيني نور غانم الذي ولد في الزنزانة في