تغيرت السياسات الخارجية الأميركية منذ نحو ثلاثة أعوام، ليس بسبب تسلم الجمهوريين للسلطة فحسب، بل نتيجة لهيمنة المحافظين الجدد، وتصاعد نفوذهم على صنع السياسات في الإدارة الجمهورية الجديدة. وقد استحدث المحافظون الجدد شيئا جديدا في نظام الحكم الأميركي. فهم يشتركون جميعا في ما أسماه ستانلي هوفمان من جامعة هارفارد بـ(عبادة القوة) التي يتردد فيها بعض أصداء منظري الفاشية الإيطالية. هذا إضافة إلى أن لهم رؤية نخبوية وتحريفية مشتركة حول الكيفية التي يجب بها استخدام القوة على النحو الأمثل. وليس لدى هؤلاء أدنى ميل للإقناع والحوار أو الدبلوماسية. فمبدؤهم الفلسفي الذي يستندون عليه هو الإيمان المطلق بفكرة (إما أن تكون معنا أو ضدنا). وهو المبدأ الذي عبر عنه الرئيس بوش على نحو فج وشبه ديني عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001·
كانت أول خطوة خطاها الرئيس بوش عقب تسلمه مقاليد الحكم في البيت الأبيض، هي عزل الولايات المتحدة الأميركية عن سابق قصد وتدبير، عن بقية الإجماع الدولي الذي تلتف حوله كافة الديمقراطيات الليبرالية. وسارعت الإدارة الجديدة إلى شجب كافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية الاقتصادية والسياسية والبيئية التي تحد من حرية الولايات المتحدة، وتغل يدها فيما تنويه من عمل فردي أحادي. إلى ذلك فقد ضيقت واشنطن من حدود وصلاحيات الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بالسيطرة على الأسلحة، بينما نعتت الأمم المتحدة بأنها (لم تعد تنتمي إلى هذا العصر). نتيجة لكل ذلك، فقد قللت الإدارة الجديدة من المكانة الدولية التي كانت تحظى بها الولايات المتحدة باعتبارها قائدة الديمقراطيات العالمية باتفاق وإجماع العالم.
فتحت تأثير نفوذ المحافظين الجدد، استجابت الولايات المتحدة الأميركية عسكريا لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفي خضم تلك الحرب المعلنة، انفصلت واشنطن عن بقية حليفاتها، بعزلها واستبعادها لكافة الحلفاء وأقدمت على ذلك منفردة، ورفضت أي تدخل دولي في الحرب المعلنة على الإرهاب. تلا ذلك تحقيق نصر مؤزر في أفغانستان، إلا أن الولايات المتحدة انحرفت بعد أفغانستان عن المسار الذي رسمته للحرب. ففي العراق مثلا، استسهلت الولايات المتحدة مسألة تحقيق نصر عسكري،وقالت إنه يسهل عليها هزيمة جيش (متخلف) وفاسد ومرتش. واليوم فما من أحد يشك في أن الحرب التي شنتها واشنطن على الإرهاب-كما أراد لها المحافظون الجدد أن تكون- قد قللت من وزن وصورة الولايات المتحدة الأميركية دوليا.
بل ذهب المحافظون الجدد ضمن عبادتهم للقوة، إلى القول إن القوة العسكرية الأميركية، من الممكن استخدامها في بعض الظروف والأوضاع الحاسمة، حيث لا يصبح بالضرورة أن تخدم تلك القوة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها أصلا. فأي قوة تدميرية هذه التي لا تسفر عن ثمار سياسية بناءة! وعليه، فأيا كانت النتيجة التي سينتهي إليها الغزو الأميركي للعراق، فإن المؤكد هو أن القوة والسلطة الأميركيتين قد تقزمتا، وقل شأنهما. ومع أن القوات الأميركية قد رابطت في مكانها في العراق بعد الحرب، باعتبارها قوة لإعادة البناء، إلا أن الشاهد هو أن لا حسن النوايا ولا الإنجازات التي تحققت حتى الآن، قد جنبتها مخاطر ومأزق البقاء العسكري طويل الأمد، وإثارة السؤال المشروع حول سيادة العراق، في ظل الاحتلال العسكري الطويل الأمد. وكان طبيعيا أن يثير العجز الأميركي الواضح في فرض الأمن والنظام على بلد تمكنت من احتلاله وغزوه، تساؤلات المراقبين الدوليين حول حقيقة القوة الأميركية، سيما إن كان عجز هذه القوة قد افتضح في بلد دخل إليه جنودها على افتراض أنه سيجري الترحيب بهم بوصفهم حملة لواء الحرية والديمقراطية.
ثم إن لكل هذه التداعيات أثرها الكبير على الجنود الأميركيين أنفسهم. فقد انخفضت معدلات ومستويات التدريب العسكري الداخلي في الولايات المتحدة في أوساط الجنود إلى درجة غدا متعذرا فيها إرسالهم في أية مهام عسكرية طارئة. أما قوات الاحتياط فقد انخفض مستوى تدريبها واستدعائها في حملة لم تستعد لها مطلقا. ومما لا شك فيه أن هذه التداعيات ستترك تأثيراتها الواضحة على تجنيد الجنود الاحتياطيين، بل وربما على القوات النظامية نفسها. ولما بات من غير المعقول أصلا التفكير في إعادة النظر في نظام التجنيد العسكري الإجباري، فمن الطبيعي أن يثور السؤال: وأين ذهب كل ذلك الجيش الأميركي، الكلي القوة والجبروت؟
يذكر أن الحكمة التقليدية قد ذهبت عقب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى القول إن أمام دول العالم أن تختار بين أمرين: إما أن تقبل بسيادة وتفوق الولايات المتحدة الأميركية عليها، ضمن تحالف دولي جديد يرمي إلى إعادة تشكيل العالم وفق الاعتراف بسيادة القطب الواحد، أو أنه يحق للدول أن تسعى لتأسيس تحالفات جديدة موازية للقوة الأميركية. الخيار الأخير هذا، هو الجرم الذي تتهم فرنسا بارتكابه، وإلى جانبها في قائمة الاتهام أيضا، كل من الصين وروسيا إلى حد ما. غير أن الواقع السياسي نفسه، ربما يبرهن على أية حال، عج