في معرض الوحوش البشرية المفتوح دوماً في ساحة التاريخ، ما زال (لوشيوس دوميتيوس أهينوباربوس) (37-68 ميلادي) يحتفظ لنفسه بعد أكثر من عشرين قرناً بمكان مميز تحت اسم (نيرون)، الامبراطور الروماني الذي حكم لفترة لا تتجاوز 14 عاماً (54 إلى 68 ميلادية) شهدت اقترافه بحق البلاد والعباد سلسلة مذهلة من الجرائم والفظائع الوحشية المشينة التي خرج بها عن طبقة الانسانية. يكاد لا يكون هناك من لا يعرف (نيرون)،لكن من الضروري فتح ملف الوحش. فهيا بنا إلى عدّ البنود المخيفة مع مؤلف الكتاب (إدوارد تشامبلين):
(قتل نيرون أمه أغريبينا عامداً متعمداً (لأنها انتقدت إحدى خليلاته)، وكان يضحك ويلعب لاهياً عابثاً بينما كانت روما تحترق. نيرون ضاجع أمّه وتزوج أخته غير الشقيقة ثم أعدمها، وأعدم أيضاً أخته الأخرى غير الشقيقة، كما اغتصب وقتل أخاه غير الشقيق. في الحقيقة أنه أعدم أو قتل معظم أقربائه المباشرين. نيرون هذا رفس في نوبة غضب زوجته الحبلى حتى ماتت، وأخصى رجلاً محرراً من العبودية ثم تزوجه، كما تزوج رجلاً محرراً آخر لكن الامبراطور لعب هذه المرة دور العروس! وقد عمد (نيرون) إلى صهر تماثيل آلهة الرومان المنزلية بغية الحصول على قيمتها النقدية. وبعد إحراق روما عاصمة الرومان في عام 64، بنى نيرون ما سمي بالبيت الذهبي على أنقاض معظم مساحة مركز المدينة المدمّر، وألقى مسؤولية الحريق الهائل على المسيحيين فنكّل بهم شرّ تنكيل وعلّق بعضهم فوق الأعمدة وأضرم النار في أجسادهم لتكون مصابيح تضيء حدائقه في الليل! وقد نافس (نيرون) غيره في سباقات الفن والشعر وقيادة العربات، وفاز في كل منافسة خاضها حتى عندما سقط عن عربته في دورة الألعاب الأولمبية. واضطهد (نيرون) أو نفى الكثيرين من أفراد النخبة الرومانية، كما أهمل الجيش واستنزف خزينة الامبراطورية. انتحر نيرون وهو في عامه الثلاثين، ليتفوق أيضاً على الجلاد ومنفذ أحكام الإعدام. أما كلماته الأخيرة فكانت: (أيّ فنّان يموت فيّ أنا)!
هذا على الأقل ما ترويه لنا الأسطورة التي نسجت خيوطها حول (نيرون). ويسعى المؤلف (إدوارد تشامبلين) هنا، وهو أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد ، إلى التوثيق ويقول لنا (إن الأسطورة تستند إلى مؤلفات ثلاثة من الكتّاب هم المؤرخان (تاكتيوس) و(ل.كاسيوس ديو) وكاتب التراجم والسّير (سوينتيوس). ويبدو أن مصادر هؤلاء لم تكن أكثر من القيل والقال والسجلات العامة ومجموعات الأرشيف التي اختفت منذ زمن بعيد، كما تستند أيضا إلى كتابات (العديد من المؤلفين المفقودين) بمن فيهم (بليني الأكبر) و(كلوفيس روفوس). ليس هذا فحسب، بل إن الثلاثة يقدمون روايات متضاربة عن الأحداث ذاتها. وهكذا نجد على سبيل المثال أن (تاكتيوس) و(ديو) و(سوينتيوس) متفقون على أن (أغريبينا) والدة (نيرون) قد قتلت زوجها (كلوديوس)، الذي اتخذ ابنها (نيرون) ولداً له وهو ليس من صلبه، لكي تضمن لابنها الارتقاء إلى العرش. لكن أوجه التباين والتخالف بين روايات الثلاثة لا تتجلى في التفاصيل الثانوية، إذ أنهم تجاهلوا حقيقة بسيطة تقول إنه ما من أحد يعلم حق العلم ما حدث ولا مكان الحدث ولا فاعله ولا كيفية وقوعه، (وعلى رغم الإجماع الظاهري بين المصادر الثلاثة ووجود احتمال وجود شبهة بوقوع جريمة، فإننا ببساطة لا نعلم ما إذا كان (كلوديوس) قد مات مقتولا ً على يد زوجته أغريبينا)· وما يعنينا هنا أن قسماً كبيراً من هذا الكتاب يقدم أيضاً دراسة في مراوغة الحقيقة التاريخية وإمكانية تعرض مصادر التوثيق للتحريف والانتقائية وانعدام الدقة وكذلك للتحيز الفج والواضح الفاضح أحياناً)·
وينبغي هنا أن نعلم أن (تشامبلين) لا ينبري في هذا الكتاب لتبييض سواد صفحة (نيرون) ولا يهب للدفاع عنه، بل نجده يقول :(لقد كان رجلا ًسيئاً وحاكماً سيئاً. لكن ثمة أدلة قوية توحي بأن مصادرنا المهيمنة قد أساءت كثيراً تقديمه إلينا فخلقت لدينا صورة وحش مختل التوازن وأناني مستغرق في ذاته إلى حد الهوس، وهي صورة عززها الكتّاب المسيحيون. غير أن الواقع كان أكثر تعقيداً من هذا)·
المفتاح هنا في كلمة (واقع)، التي تعمّد (تشامبلين) استخدامها والعزوف عن كلمة (الحقيقة)، فهو يرى أن الحقيقة الكاملة حول أفكار ودوافع ورغبات شخص ما إنما تخرج عن نطاق معرفة أي كائن بشري آخر، وهل من شك في أن الله وحده جلّ وعلا هو المحيط بكل شيء علماً!
لكن من الممكن، كما يوحي(تشامبلين)، أن نعرف المزيد عن الظروف التي فعل فيها (نيرون) ما فعل، ولذلك يقول في أواخر كتابه (إن غايتي في هذا الكتاب محدودة مقيّدة، وتتمثل بتفسير غاية (نيرون) المحتملة من أفعاله وآثامه التي جعلت الشهرة والسمعة الشائنة تلتصقان به لهذه الفترة الطويلة... لم أحاول تسويغ أفعاله أو ترميم أو إعادة تأهيل شخصيته. لقد افترضت أن أفعاله كانت معقولة منطقية-أي أنه لم يكن مجنوناً- وأن كثيراً منها يتناغم مع المواقف الاجتماعية في ذلك العصر بقدر أكبر مما قد توحي لنا به مصادرنا العدوانية)·
إن تصرفات (أدولف ه