إذا ما نظرنا إلى الاقتصاديات النفطية في العقود الثلاثة الماضية، فإننا سنجد أن الاقتصاد الإماراتي يقف على رأس هذه الاقتصاديات من ناحية النمو والتنوع الهيكلي، وذلك على الرغم من أن إنتاج النفط بدأ متأخراً نسبياً، مقارنة بمناطق أخرى·
بالتأكيد يقف خلف هذا التقدم الكبير سياسة اقتصادية صائبة وحكيمة، يأتي في مقدمتها توفير البنية الأساسية للتنمية الاقتصادية والتي من دونها لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية·
في هذا الجانب بالذات فاقت الإنجازات كل التوقعات وسبقت الإمارات الجميع، فإنتاج الطاقة الكهربائية والمياه النظيفة ومد الطرق وإقامة المطارات والموانىء وفر ظروفا مثالية لأنشطة الشركات ورجال الأعمال، ففي الوقت الذي يستغرق فيه الحصول على هذه الخدمات فترات طويلة، بما في ذلك في بعض البلدان الغنية المنتجة للنفط، فإن الحصول على مثل هذه الخدمات لا يستغرق سوى فترة زمنية قصيرة· عندما أقيمت بعض المطارات والموانىء الكبيرة في الدولة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات أثارت تحفظ بعض المراقبين والمهتمين بالشأن الاقتصادي على اعتبار أن ذلك يفوق متطلبات التنمية في ذلك الوقت، إلا أن متخذي القرار، وبالأخص في إمارتي أبوظبي ودبي كان لهم رأي آخر أكثر حكمة وبعد نظر، حيث أثبتت التطورات صحة وجهة نظرهم، فهذه المرافق بالذات كان لها الأثر الكبير في تلبية احتياجات البنية الأساسية التي تنامت بصورة سريعة نتيجة لمعدلات النمو التي تحققت في دول مجلس التعاون الخليجي· هذه المرافق لعبت دوراً كبيراً في تحويل دولة الإمارات إلى أهم مركز اقتصادي وتجاري في منطقة الخليج والشرق الأوسط، فتجارة إعادة التصدير من كافة إمارات الدولة وخطوط الطيران والمناطق الصناعية أدت إلى جذب رؤوس الأموال والمؤسسات الاقتصادية لاتخاذ دولة الإمارات مركزا إقليميا لأنشطتها في المنطقة·
مستقبلاً، فإن كافة التوقعات تشير إلى ازدياد الأنشطة الاقتصادية والتجارية في المنطقة، وذلك لجملة من العوامل التي لا تتسع هذه المساحة لتوضيحها وشرحها بالتفصيل، إلا أن الاستنتاج الأكيد هو أن منطقة الخليج ستشهد نمواً قوياً في السنوات القادمة· لذلك جاءت توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ''حفظه الله''، والتي أعلن عنها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي والخاصة بإنشاء ميناء ومنطقة صناعية في الطويلة ليدعم البنية الأساسية لأبوظبي ولدولة الإمارات بمرفق مهم وقادر على تلبية المتطلبات المتزايدة لخدمات البنية الأساسية، وليشكل إلى جانب موانىء الدولة الأخرى وحدة متكاملة ستزود أسواق الشرق الأوسط بالكثير من السلع والخدمات اللازمة·
أما المنطقة الصناعية والتي تأتي ضمن الخطة الاستراتيجية لأبوظبي والتي يتابع خطوات تنفيذها سمو ولي العهد رئيس المجلس التنفيذي، فإنها ستساهم مساهمة فعالة في تنويع مصادر الدخل الوطني وإيجاد مصادر جديدة من خلال استقطاب المزيد من الاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية·
الانعكاسات الايجابية لهذا التوجه عديدة ومتنوعة، فاستثمار ثمانية مليارات درهم في هذا المشروع الحيوي، يعني توفير متطلبات أساسية للتنمية المستقبلية في الدولة، بما في ذلك توفير فرص عمل للمواطنين وإقامة مؤسسات صناعية وتجارية جديدة وزيادة التبادل التجاري وارتفاع حجم الصادرات من المنتجات المحلية وتعزيز المركز التجاري الإقليمي للدولة·
بإضافة المشاريع العمرانية والسياحية والصناعية التي أعلن عنها سابقا إلى هذا المشروع، فإنه يمكن القول إن دولة الإمارات تقف على أعتاب مرحلة جديدة من النمو والتقدم الاقتصادي، فبهذه المشاريع الجريئة تحافظ الدولة على موقعها ومكتسباتها السابقة من جهة وتحضر نفسها للمرحلة القادمة من التطور في العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية من جهة أخرى، تلك العلاقات الجديدة المتميزة بالمنافسة وحرية انتقال السلع والخدمات بين مناطق العالم·
هذه الرؤية وهذا الإصرار يؤكدان على أن دولة الإمارات أصبحت في وضع يسمح لها باحتلال موقع متقدم في الخريطة الاقتصادية الإقليمية والعالمية، ليس باعتبارها واحدة من أهم البلدان المنتجة والمصدرة للنفط فحسب، وإنما باعتبارها مركزا للتجارة والأعمال في منطقة الخليج والشرق الأوسط·