في مؤتمر حول غسل الأموال عقد في دولة الإمارات مؤخرا، أكد دبلوماسيون أوروبيون أن الإمارات التي لا تفرض ضرائب على الدخل يمكن أن تصبح مركزاً لنمط جديد ومعقد من عمليات غسل الأموال والاحتيال الضريبي يستغله بعض الأوروبيين في التهرب من ضريبة القيمة المضافة في بلدانهم· لقد أدى العديد من العوامل إلى إثارة مثل هذه الشكوك الغربية، منها الاستقرار الاقتصادي والأمني الذي تشهده دولة الإمارات حاليا، والحركة التجارية والسياحية النشطة فيها، وإمكانية التأسيس السريع للشركات، وتوافر أنظمة مالية متطورة ومتنوعة ومرتبطة بالمراكز المالية في مختلف أنحاء العالم، ووجود أعداد كبيرة من دور الصرافة الخاصة، وما تتميز به الدولة من بنية أساسية متطورة من مطارات وموانئ وطرق، ووسائل اتصالات حديثة·
لقد تنبهت دولة الإمارات منذ حقبة الثمانينيات إلى أن تسرب الأموال المكتسبة من مصادر غير مشروعة إلى داخل الاقتصاد القومي، بأي طريقة كانت، يؤدي إلى حدوث تشوهات كبيرة في البنية الاقتصادية للدولة، وتبديد الدخل القومي لمصلحة جهات خارجية، وإحداث خلل كبير في نمط الاستهلاك والإنفاق، وزيادة السيولة المحلية بشكل لا يتناسب مع الزيادة في السلع والخدمات، وأن تسرب الأموال القذرة إلى المجتمع يؤثر سلبا في البناء الاجتماعي· ولذلك سعت منذ ذلك الوقت إلى وضع الضوابط اللازمة للكشف عن أي عملية لغسل الأموال تجرى داخل المؤسسات المحلية، واتخاذ مجموعة من الخطوات والتشريعات في مكافحة هذه الظاهرة· وانطلاقا من نظرتها الحديثة لعمليات مكافحة غسل الأموال، وبحكم عالمية الظاهرة وطبيعتها المتشعبة، اتخذت دولة الإمارات العديد من الخطوات المهمة، في مقدمتها تكملة وتحديث التشريعات والقوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال، ودعم وتطوير الهيئات الرقابية والتنظيمية، والأنظمة القضائية، والتي تتعاون فيما بينها لمكافحة الظاهرة، وإشراك قيادات شركات ومؤسسات القطاع الخاص، خاصة المؤسسات المالية، لدعم المبادرات التي تقوم بها السلطات الحكومية المختصة لمكافحة الظاهرة، والمشاركة بنشاط وفعالية في المنتديات الدولية والإقليمية بغرض إثراء معلوماتها وتعزيز تعاونها في مكافحة غسل الأموال·
مع التسليم بنجاح الإمارات في التصدي للجرائم الاقتصادية بأشكالها المختلفة وحصولها على تقدير واعتراف دوليين وهو ما جعلها تصنف بين أكثر بلدان العالم استحواذا على الأمن الاستثماري، فإن التغيرات المتسارعة على الصعيد العالمي تولد باستمرار أنماطاً مستحدثة من هذه الجرائم، خاصة مع تبنى الإمارات لفلسفة اقتصادية تعتمد على الانفتاح والتحرر، يستدعي ضرورة المراجعة الدورية لإجراءات وضوابط مكافحة هذه الجرائم· وما يزيد من خطورة غسل الأموال أن كل جهد يبذله القائمون على مكافحتها والتصدي لها، يقابله عمل مضاد يزيد من تعقيد الجريمة نفسها ويضاعف من تكاليف محاصرتها والقضاء عليها، مستفيدا في ذلك من التقدم الكبير في تقنية الاتصالات والمعلومات والذي ساعد بدوره على انتشار النقود الإلكترونية، وتزايد حجم التجارة الإلكترونية، وعولمة الخدمات المالية والمصرفية، مما أتاح لغاسلي الأموال مساحات شاسعة للعمل من خلال أنماط جديدة تشبه إلى حد كبير التعاملات المالية والتجارية المشروعة· كما استطاع غاسلو الأموال أن يجعلوا من جريمتهم ''صناعة متطورة ومتكاملة''!·
عن نشرة أخبار الساعة
الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
www.ecssr.ac.ae