تحذير الرأي العام المصري من زحف ''الإخوان المسلمين'' بعد هذا الفوز الانتخابي، لا يدل على معاداة الديمقراطية والخوف من نتائجها و''الانتقائية السياسية''، كما يعتقد د· سعد الدين إبراهيم· فتحذير الشعب المصري وتنبيهه وبيان مختلف الاحتمالات والمضاعفات السياسية، شيء، والمطالبة بحرمان التيار الديني من الحقوق السياسية والمدنية والديمقراطية شيء آخر· فالمشكلة أو الاحتمال الأرجح أن مصر مهما كانت مشاكلها، وهي كثيرة بلا شك، فإن مفاتيح حلها ليست بيد حزب ديني جامد غامض غير ديمقراطي وغير عصري·· كالإخوان المسلمين! وعلى المصريين، وبقية العالم العربي، أن يدركوا الفرق بين الدين الإسلامي و''الإسلام السياسي الحزبي''، فهذا الثاني ليس إلا غطاءً إيديولوجياً للديكتاتورية··· باسم الدين!
يقول مرشد الإخوان في مقابلة له: ''ليس لنا مطالب سوى الحرية، نعم الحرية واحترام الإنسان والقانون··· سبب صراعنا مع كل هذه السلطات حول هذه المطالب فقط· (المجلة، 11/12/2005)· ويفهم القارئ المتعجل أن حركة ''الإخوان'' لن تختلف مثلاً عن أي حزب ديمقرطي مسيحي في ألمانيا أو النمسا، ولكن تراث الحزب منذ الشيخ حسن البنا، والذي يفتخر به المرشد الحالي في المقابلة نفسها، يقول شيئاً آخر!
يقال إن الولايات المتحدة متفاهمة مع الإسلام السياسي ومع ''الإخوان'' في مصر وغيرها، بعد أن يئست من التيارات المنافسة ومن الفساد الواسع الانتشار· حتى بالنسبة لوجود إسرائيل وأمنها، أعلن المرشد في الانتخابات الأخيرة قائلاً: ''نحن لا نعترف بإسرائيل لكننا لن نحاربها''!
هناك بالطبع قضايا ومحكات كثيرة أخرى قد يجد ''الإخوان'' أنفسهم معها في وضع غير مريح، كواقع السياحة، ومخاوف الأقباط، والحريات الفكرية والاجتماعية وغيرها· ولكن ما يثير القلق في نفس المقابلة أن المرشد يخلط من جديد بين الدين والدستور والقوانين الدولية، فيقول: ''مرجعيتنا الأساسية هي الكتاب والسنة، وعدا ذلك ليس لنا مرجعيات· أما بالنسبة للأشخاص فإن الحاكم الذي ينفذ الدستور هو الذي يُعمل هذه المرجعية (الكتاب والسنة) ويحكم انطلاقاً منهما· والدستور يقوم على الحريات واحترام حقوق الإنسان والفصل بين السلطات وتداول السلطة، والشورى فيها فرض من الفروض انطلاقاً من الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم)''· ما الذي يمكن فهمه من كل هذه الإحالات، من كتاب وسنة ودستور وقانون دولي لحقوق الإنسان؟ ماذا لو تعارضت مثلاً أو تضاربت هذه المرجعيات؟
في النقاش الذي دار بين د· عبد المنعم سعيد الليبرالي، والأستاذ عصام العريان أبرز دعاة الإخوان، اعترض د· سعيد على استخدام الإخوان للآية القرآنية ''وأعدوا لهم···''، في حملتهم الانتخابية· وكان اعتراضه أن هذا الشعار يصلح لمن هو ذاهب إلى الحرب، فيما المسألة تتعلق بمعركة سياسية يفترض أن تخاض بوسائل ديمقراطية· ويقول علي حرب في مقال له إن الدكتور العريان ''لم يكن مقنعاً في ردوده، بل اعترف في النهاية، أن من الممكن تعديل الشعار أو تغييره في المستقبل''·
إن مشكلة الحياة السياسية في مصر والعالم العربي في تعاملها مع حركة ''الإخوان المسلمين''، أن هذه الجماعة تستخدم كل معطيات الحداثة ومفاهيمها ومنجزاتها، لضربها والانقلاب عليها· وقد استطاعت خلال كل هذه الأعوام من ظهورها، أن تحقق نجاحات كبيرة في تفريغ المصطلحات القانونية والسياسية من مدلولاتها العالمية، وتقديم مجموعة من المفاهيم والشعارات التي تستفيد بشكل ماكر من المعطيات الدينية والقيم العلمانية والليبرالية··· على حد سواء·
انظر مثلاً إلى شعار ''الإسلام هو الحل''، هذا الشعار قد يشبه شعاراً مماثلاً: ''الوطنية هي المأوى''، أو شعارات مثل ''الدواء هو العلاج''، ''الفضيلة هي الملاذ''··· إلى ما لا نهاية! فالإسلام موجود في مجتمعات العالم الإسلامي منذ 1400 سنة، ونحن نعرف جميعاً كيف تعاقبت الأنظمة وتنوعت وبقي الإسلام موجودا، وعاشت شعوب عديدة في إيران وأفغانستان والسودان تجارب ''الإسلام'' و''تطبيق الشريعة''، ورأينا النتائج· وهناك ثالثاً أحزاب وجماعات وتنظيمات عديدة تتحرك باسم الدين والإسلام، ولكن ضررها أكبر بكثير من نفعها· بل إن الكثير من المسلمين يجمعون على الضرر الكبير الذي أنزلته هذه الحركات والأحزاب بالدين الإسلامي والمجتمعات العربية·
الانجاز الذي حققه الإخوان في الانتخابات المصرية الأخيرة، يقول أ· فهمي هويدي، ''يحملهم مسؤوليات أكبر من أكثر من وجه، إذ طالما كان الإصلاح السياسي هو هدف المرحلة وواجب الوقت، فهم مطالبون بأن يكونوا عوناً له وليس عبئاً عليه· وليت شعار الإسلام هو الحل، يترجم عند تنزيله على الواقع، إلى انحياز للحرية والديمقراطية، ودفاع عن الفقراء والمستضعفين ومعاناتهم من (مشكلة) الغلاء إلى (مشاكل) البطالة والفساد··· فضلاً عن هذا وذاك فإنهم يجب أن يبذلوا جهداً خاصاً لتبديد مخاوف القلقين من صعودهم وفي المقدمة منهم إخواننا الأقباط··· باعتبار أن كسب ثقتهم أهم بكثير من كسب المقاعد في البرلمان·