بعد سبع عشرة سنة من البحث تمكنت دراسة مولتها الحكومة الفيدرالية الأميركية من الإجابة على واحد من أكثر الأسئلة التي كانت تحير الأطباء، وخصوصا المتخصصين في مرض السكري: هل يمكن للتحكم الصارم في نسبة السكر في الدم أن يقي من النوبات القلبية والذبحات الصدرية؟ وكان الجواب الذي أوردته مجلة ''ذي نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن'' المتخصصة في أحد أعدادها بالإيجاب، حيث أكد أن من شأن التحكم المكثف تقليص الخطر بنسبة خمسين في المئة· كما كشفت الدراسة أن التأثير الإيجابي لهذه المراقبة ظهر حتى عندما خضع المرضى لفترة قصيرة نسبيا من التحكم المكثف لنسبة السكر في دمهم عندما كانوا أصغر سنا، إذ توصل الباحثون إلى أن هؤلاء المرضى كانوا محميين من أمراض القلب والذبحات الصدرية حتى بعد مرور عشر سنوات على خضوعهم لهذه الفترة القصيرة نسبياً من العلاج المكثف، وذلك بالرغم من بلوغهم أواسط العمر، وهي عادة الفترة التي تبدأ تظهر فيها هذه الأمراض·
ومما يذكر أن الدراسة اقتصرت على المصابين بمرض السكري من الصنف الأول الذي تموت فيه الخلايا التي تفرز مادة ''الأنسولين'' في الدم، والذي عادة ما يصاب به الإنسان في بدايات حياته· وتوقع الدكتور ''جون بيوز''، مدير مركز العناية بمرضى السكري في جامعة ''نورث كارولينا''، أن نتائج الدراسة ستؤثر كثيرا في الطب الحديث، وتدفع الأطباء إلى مساعدة مرضاهم على مراقبة نسبة السكر في الدم بشكل مستمر، مضيفاً بأن هذه الدراسة تعتبر واحدة من أكثر الدراسات دقة واحتراماً لمعايير البحث حتى الآن، كما أن من قاموا بها مشهود بكفاءتهم في الأوساط الطبية المختصة·
وحسب المتخصصين في مرض السكري، فإن مسألة التحقق مما إذا كانت المراقبة الصارمة لنسبة السكر في الدم تقي المريض من أمراض القلب والذبحات الصدرية لطالما حيرت المختصين لعدة عقود· لقد كان الباحثون يعلمون أن لمرض السكري علاقة بأمراض القلب، حيث تشير الإحصائيات إلى أن ثلثي المصابين بالسكري يموتون جراء أمراض القلب· وإذا كانت الدراسات التي أنجزت حتى الآن أظهرت أن التحكم في نسبة السكر في الدم يحمي العينين والكلى والأعصاب من التلف، فإن العلماء لم يكونوا يتوفرون على دليل علمي يفيد بوجود نفس التأثير على أمراض القلب والذبحات الصدرية·
شملت الدراسة 1441 شخصا تتراوح أعمارهم ما بين 13 و39 سنة، تم اختيار نصفهم بشكل اعتباطي، وتم بعد ذلك إخضاعهم للعلاج المكثف بغرض الحفاظ على مستويات السكر في دمهم منخفضة بشكل مستمر، وهو ما يعني حقن أنفسهم بمادة ''الأنسولين'' ثلاث مرات أو أكثر في اليوم· هذا فيما تم إخضاع المرضى الآخرين للعلاج العادي أو لنسمه التقليدي، ما يعني تلقيهم حقنة أو حقنتين من ''الأنسولين'' في اليوم· وسعى أفراد المجموعة التي اتبعت العلاج المكثف إلى جعل مستوى السكر في حدود 6 في المئة أو أقل، لكنهم حصلوا في الأخير على متوسط 7 في المئة· في حين حصلت المجموعة التي خضعت للعلاج التقليدي على متوسط 9 في المئة، علما بأن المستويات العادية لدى الناس غير المصابين بالسكري تتراوح ما بين 4 في المئة و6 في المئة· وبعد مرور ست سنوات ونصف السنة تبين أن العلاج المكثف حال دون إصابة الأعين والكلى والأعصاب بأضرار، ولكن لم يثبت تأثيره على أمراض القلب والذبحات الصدرية·
ومع مرور السنين، بدأت تظهر على بعض المرضى أعراض أمراض القلب، ولاحظ الباحثون فرقا واضحا بين المجموعتين بخصوص معدل إصابتهما بالنوبات القلبية والذبحات الصدرية، حيث تم تسجيل 46 حالة تتعلق بالقلب، بما في ذلك النوبات القلبية والذبحات الصدرية وأمراض القلب التي كانت تتطلب تدخلا جراحيا، لدى واحد وثلاثين من المرضى ممن خضعوا للعلاج المكثف عندما كانوا أصغر سنا· في حين سجلت لدى 52 ممن خضعوا للعلاج التقليدي 98 حالة من الحالات المشار إليها آنفا· غير أن نتائج الدراسة دفعت الباحثين إلى طرح أسئلة جديدة من قبيل: هل يحدث نفس التأثير لدى الأشخاص المصابين بالصنف الثاني من مرض السكري، الذي يتمثل في العجز عن الاستجابة للأنسولين والذي عادة ما يصاب به الإنسان في وقت متأخر من العمر؟ ثم لماذا يؤدي التحكم الشديد في نسبة السكر في الدم لفترة قصيرة واحدة إلى تأثير بالغ لاحقا؟
ورغم عدم وجود أجوبة قاطعة لهذه الأسئلة، تتوقع الدكتورة ''جوديث فرادكين'' التي تدير بحوث مرض السكري بـ''المعهد الوطني لأمراض السكري والجهاز الهضمي والكلى''، أن تظهر نفس النتائج لدى المصابين بالصنف الثاني من مرض السكري، مضيفة بأن دراسة أخرى من تمويل الحكومة الفيدرالية الأميركية ينتظر أن تحسم في هذا الموضوع قريباً، وإنْ كان من المعروف سلفاً أن التحكم الصارم في نسبة السكر لدى المصابين بالصنف الثاني من السكري يحمي الأعصاب والكلى والأعين من التلف، تماما كما هو الحال مع الصنف الأول من السكري· كما أن دراسة أجريت في بريطانيا، وإن لم تثبت بطريقة علمية، أظهرت أن المصابين بالصنف الثاني من السكري الذين يحافظون على مستوى السكر في دمهم منخفضا كا