يحاول الساسة الإسرائيليون رسم صورة وردية خارجية لدولة إسرائيل تتناقض تماماً مع الوضع الداخلي المتأزم الذي تعيشه· فالمراقب من الخارج ينظر إليها على أنها ''واحة من الديمقراطية''، أحزاب تظهر وأخرى تختفي وتحالفات جديدة وانشقاقات كلها تتم بصورة هادئة ومنهجية، بالإضافة لكونها ''جنة من الرفاهية وحقوق الإنسان المصونة''! أما الوقائع، فتكشف كيف أن المجتمع الإسرائيلي يعيش تناقضات حادة· فالإعلام الداخلي والخارجي يعكس الصورة الحقيقية لمجتمع متهافت يمارس أبشع أنواع الممارسات الاحتلالية الفاشية ضد الشعب الفلسطيني مقرونا بالتمييز العنصري ضد ''عرب إسرائيل'' بتضييق الخناق عليهم سياسياً وخدماتياً، وكذلك في مجال بناء المساكن وإبقاء أحيائهم غاية في القذارة وسوء الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية· إلى ذلك، فإن التناقض الطبيعي بين الأغنياء والفقراء ازداد حدة بسبب السياسات الاقتصادية التي انتهجها بنيامين نتنياهو عندما كان وزيراً للمالية في حكومة أرييل شارون·
في شهر أغسطس الماضي، جرى نشر معطيات تقريرين رسميين أولهما للبنك الدولي، وثانيهما تقرير دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية· وتشير هذه المعطيات إلى العلاقة الجدلية بين فساد السلطة الإسرائيلية وعدوانيتها وبين اتساع وتعمق الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الإسرائيلي· وأكد التقريران أن الوضع ازداد سوءا بشكل طردي منذ سنة 2000 وخلال السنوات الأربع الماضية، أي منذ تفجير الاحتلال الإسرائيلي للصراع الدموي الهمجي ضد الشعب العربي الفلسطيني بارتكاب مجزرة القدس والأقصى وانفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية· فحسب تقرير البنك الدولي، الذي أعده طاقم من الاقتصاديين من مجموعة ''بي·دي·أي''، فإن السلطة في إسرائيل كانت في عام 2004 وخلال السنوات الأربع الماضية الأكثر فساداً مقارنة مع أنظمة الحكم في الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة· جدول فساد الحكم في إسرائيل يعكس مدى ''نشاط'' جهات حكومية (وزراء وغيرهم) من أجل تحقيق أرباح شخصية خاصة· وفي جدول آخر حول نجاعة الحكم (الذي يلخص نوعية تقديم الحكم ومؤسساته للخدمات الشعبية) تتخلف إسرائيل أيضاً عن باقي الدول الأوروبية· فالنظام الإسرائيلي هو الأكثر فساداً مقارنة مع الأنظمة الأخرى الأوروبية، والمقارنة هي مع الدول الأوروبية لأن الناتج القومي لإسرائيل يقارب الناتج القومي لبعض هذه الدول·
يعكس عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى الفساد، آثاراً سلبية على الاقتصاد وعلى نموه وخاصة على الاستثمارات والتوظيفات الأجنبية في الاقتصاد الإسرائيلي، و''السمكة تعض من رأسها'' كما يقول المثل· فمن رئيس الحكومة أرييل شارون إلى أولاده، مروراً بالعديد من الوزراء ونواب ''الكنيست'' من حزبه السابق ''الليكود''، وليس انتهاء بغيرهم، جميعهم غارقون في أوحال الفساد· أما معطيات تقرير دائرة الإحصاء المركزية حول ''عدم المساواة في المداخيل'' في عام 2004 فتجسد وصمة عار على جبين حكومة همها إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء· فمعطيات هذا التقرير تكشف بشكل صارخ طابع الهوية الطبقية الاجتماعية للحكومة السابقة، حكومة ''الثلاثي'' شارون- نتنياهو- بيريز، المعادية لحياة ومعيشة ومصالح الهيئات الاجتماعية من العاملين وذوي الدخول المنخفضة والمحدودة· فالسمة البارزة في هذا التقرير هي أن الأنياب المفترسة للسياسة النيوليبرالية التي انتهجها الوزير نتنياهو قد جردت ''سمك'' الفقراء من أقل القليل الذي كانوا يملكونه في حين ازداد غنى ''الحيتان'' من الأغنياء· وتجسدت هذه السمة البارزة باتساع فجوات التعاطي الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء في عام 2004 وخلال السنوات الأربع الماضية، حيث ازداد ثراء الأغنياء من أرباب الشركات الاحتكارية وأرباب البورصة والمجمعات البنكية مقابل تفاقم الفقر وعدد الفقراء بسبب سياسة حكومة ذلك ''الثلاثي'' (شارون-نتنياهو-بيريز) الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية· ذلك أن سياسة الخصخصة ونسف دولة الرفاه أدت لتقليص ميزانيات الخدمات الاجتماعية والرفاه الاجتماعي وتقليص مختلف مخصصات التأمين الوطني ومخصصات الأولاد والبطالة وغيرها· ولقد نتج عن كل ذلك إعادة الإنتاج الموسع للفقر حيث يعاني من الفقر الآن أكثر من 23,6% من إجمالي عدد السكان في إسرائيل مقابل 19,3% من الأسر الفقيرة في عام ·2003 كما ارتفع عدد الأطفال الفقراء بمقدار 61 ألف طفل ليصل إلى 714 ألف طفل أي ما يعادل 33,2% من أطفال إسرائيل مقابل 30,8% قبل ذلك بعام واحد· ولعل الشيء الأكثر بروزا في إسرائيل، هو زيادة نسبة الفقر بين الأطفال· فقد ازدادت نسبة الأطفال الفقراء منذ عام 1998 بمقدار 50% على حد قول د· يجئال بن شالوم مدير عام مؤسسة التأمين الوطني· وبذلك، فإن نسبة الأطفال الفقراء في إسرائيل تعد الأعلى بين دول العالم المتقدم، وتتجاوز نسبتهم (لأول مرة) في عام 2004 نسبة الأطفال الفقراء في الولايات المتحدة الأميركية· وكان عضو الكنيست رابيتش قد دعا الحك