في عدد 24 سبتمبر 2001 من مجلة ''تايم''، كان ''روجر روزينبالت'' قد أعلن أن عصر السخرية والمفارقات قد انتهى· لكن ومن سخرية الصدف ومفارقاتها أن كل ما قيل عن نهاية عصر السخرية، لم يكن سوى محض أوهام، وأنها لا تزال حية وتشد بحبالها القوية إدارة بوش الحالية إلى قاع القاع! وإن كنت تشكك فيما أقول، فما عليك إلا أن تنظر إلى المأزق الذي وقع فيه كل من بوش وحليفه بلير· فقد كان دافعهما الرئيسي لغزو العراق واحتلاله، ما زعماه من خطر يمثله نظام صدام حسين لبلديهما وللأمن الدولي بأسره، إلى جانب ما نسب إلى ذلك النظام من حيازة لأسلحة الدمار الشامل· ولكن الذي تكشف في نهاية الأمر أن الخطر الحقيقي لم يكن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، وإنما هو انفلات قوة الولايات المتحدة الأميركية وقدرتها على الهجوم والانقضاض على الشعوب، واستخدامها للأسلحة غير المشروعة في الفلوجة العام الماضي· وقد أثار كل ذلك الكثير من القلق والتساؤلات الدولية حول مشروعية تلك الأسلحة، ومدى أخلاقية ومصداقية الدولة التي استخدمتها·
يذكر أن الفيلم التسجيلي الإيطالي ''الفلوجة: المذبحة الخفية'' الذي كان قد بث مؤخراً عبر شاشة التلفزيون الإيطالية، عرض صوراً عديدة تقشعر لها الأبدان لضحايا، قيل إنهم احترقوا تماماً، بسبب تعرضهم للفسفور الأبيض الذي استخدمته القوات الأميركية أثناء معركة الفلوجة في نوفمبر من العام الماضي ·2004 وزعم الفيلم أن هناك كثيراً من الضحايا المدنيين لذلك الهجوم· بل ذهب خطوة أبعد من ذلك إلى عقد مقارنات تسجيلية بين استخدام نظام صدام حسين سابقاً للأسلحة الكيماوية ضد الأكراد خلال عقد الثمانينيات، واستخدام القوات الأميركية لقنابل الفسفور الأبيض، في معركة الفلوجة المشار إليها أعلاه· ومن جانبه صرح ''جيف إنجلهارت'' جندي المارينز السابق في حرب العراق الأولى، لقناة ''ري نيوز ''24 الإيطالية قائلاً: لقد وجدت نفسي ملزماً بمشاهدة الفيلم، ما أن سمعت خبر استخدام القوات الأميركية لقنابل الفسفور الأبيض· ومضى المحارب الأميركي السابق مستطرداً إلى القول: يسمى الفسفور الأبيض في اللغة العامية العسكرية ''ويلي بيت'' وهو قادر على حرق الجسم البشري تماماً إلى حد إذابته· وقد رأيت بالفعل أجساد أطفال ونساء أذيبوا تماماً تحت التأثير الحارق للفسفور الأبيض·
وبعد نفي العديد من المسؤولين الأميركيين في مختلف الدوائر الحكومية أن تكون بلادهم قد استخدمت الفسفور الأبيض في معركة الفلوجة، في بادئ الأمر، اضطرت وزارة الدفاع للتأكيد لصحيفة ''إندبندنت'' البريطانية صحة استخدام قواتها للمادة في المعركة المشار إليها· (انظر عدد صحيفة ''إندبندنت'' بتاريخ 17 نوفمبر)· وعلى الصعيد نفسه صرح متحدث باسم ''البنتاجون'' لهيئة الإذاعة البريطانية قائلاً، إن قنابل الفسفور الأبيض، قد جرى استخدامها كسلاح حارق ضد مقاتلي العدو· غير أن المتحدث نفسه، نفى أن يكون الفسفور الأبيض سلاحاً كيمائياً، أو أن يكون غير مشروع ومحرم استخدامه قانوناً! (راجع صحيفة ''جارديان'' البريطانية عدد 22 نوفمبر 2005)·
لكن وعلى أية حال فإن كتيب الأوامر العسكرية الذي تستخدمه ''مدرسة القيادة وأركان الحرب'' الأميركية بمدينة فورت ليفنورث بولاية كنساس، ينص على الآتي:''إنه مما يتعارض مع قانون الحرب البرية، استخدام الفسفور الأبيض ضد الأهداف البشرية'' (انظر صحيفة ''إندبندنت'' عدد 19 نوفمبر 2005)· بل لقد اتهم ''سيجفريدو رانوسي'' مخرج الفيلم الإيطالي المشار إليه آنفاً، الولايات المتحدة الأميركية بالتزييف والنفاق· واستند المخرج في اتهامه هذا على تصنيف المخابرات الأميركية للفسفور الأبيض إبان حرب الخليج الأولى، باعتباره سلاحاً كيماوياً! وجاء في الموقع الإلكتروني الخاص بوزارة الدفاع الأميركية، تقرير عن تلك الحرب، يحمل العنوان التالي ''استخدام محتمل لأسلحة الفسفور الأبيض الكيماوية من جانب العراق، في المناطق الكردية الممتدة على طول الحدود الكردية- الإيرانية المشتركة'' (إندبندنت عدد 23 نوفمبر 2005)· فهل من عصر سخرية أكثر من هذا؟