عقدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقراً لها والتي تضم في عضويتها ثلاثين دولة، مؤتمرا على مستوى الوزراء مطلع هذا الشهر بمدينة روتردام الهولندية· وقد طغى على أشغال المؤتمر بشكل خاص موضوع الثقة في الحكومات وفي المؤسسات العمومية· ويأتي انعقاد هذا المؤتمر كرد فعل على قلق الشارع الأوروبي من السياسات الرسمية التي أدت إلى ظهور معارضة قوية في أوروبا لسياسات تحرير التجارة والهجرة وتقليص الخدمات الاجتماعية إضافة إلى موضوع توسيع الاتحاد الأوروبي·
لقد كنت ضيف المنظمة بروتردام، حيث تلقيت دعوة لإلقاء كلمة حول التوجهات الاقتصادية المتشددة الحالية، ولإبداء رأيي الخاص حول هذا الموضوع، والذي أرى فيه أن النسخة الحالية من رأسمالية السوق تبدو على شفا أزمة حقيقية· وارتباطاً بهذا الموضوع، أعتقد أن الرأسمالية الأميركية بوجه خاص تعاني من تحول مرضي مقلق نحو ما وصفته سابقاً برأسمالية المديرين -التي حلت محل رأسمالية الملاك· خلال المؤتمر، أشار الاقتصادي ''جون بوغل'' إلى وصفي السابق باعتباره مصدر إلهام لكتابه الجديد ''المعركة في سبيل روح الرأسمالية'' والذي صدر حديثا عن مطبوعات جامعة ''يل'' الأميركية· ومما جاء في الكتاب أن ''رأسمالية المديرين'' تكافئ ''المديرين على رفع أسعار أسهم الشركة بدل أن تكافئهم على رفع القيمة الفعلية لشركاتهم''، أمــــا عن العواقب الوخيمة لذلك فسأعـــود لذكرهــــا لاحقاً·
إن المشكلة الأساسية في رأسمالية المديرين لا تتمثل في كون الشركات تفتقر إلى مالكين يتمتعون بحس المسؤولية فقط، ولكنها تتمثل كذلك في فساد الرأسمالية نفسها، وهو ما يبدو لي تحولا مهما في عالم الاقتصاد والتجارة، يتجاوز التعريف الضيق الذي أتى به ''جيمس بورنهام'' قبل الحرب العالمية الثانية، والذي يقول بصعود طبقة المديرين في مجالي السياسة والاقتصاد· ورغم أنه اصطلح على هذا التحول بأنه ''ثورة إدارية''، إلا أن المديرين الجدد مازالوا في الواقع يعملون تحت إمرة المالكين وما زالوا مسؤولين أمامهم· كل ما في الأمر أن المالكين الرأسماليين توقفوا عن إدارة الرأسمالية بأنفسهم، حيث عمدوا إلى توظيف مديرين ليقوموا بذلك عوضاً عنهم، الأمر الذي شكل مقدمة لظهور طبقة مهنية جديدة·
لقد كان هذا التحول في البداية مرتبطا بالتطور الاجتماعي الذي شهدته الرأسمالية نفسها، ففي النموذج الأميركي على سبيل المثال، كان الرأسماليون العصريون يقتصرون على فئة المخترعين الذين أنشأوا شركات لإنتاج وتصنيع مخترعاتهم (أو شهدوا آخرين يقومون بذلك)، أو من فئة المقاولين ممن يملكون الشركات الصناعية الجديدة التي تعمل في مجالات محددة مثل الحديد، والسكك الحديدية والنفط، إلخ· وخلال الجيل الثاني، عادة ما كانت العائلات المالكة منشغلة بقضايا وأنشطة المجتمع الراقي، في حين واصل المديرون إدارة الشركات لصالح المالكين، لكن ذلك لم يغير من واقع الحال شيئاً، ليظلوا في أسفل السلم الاجتماعي· إلا أن الوضع سرعان ما تغير، حيث أدى انتشار الملكية عبر تطور الشركات المساهمة بعد الحرب العالمية الأولى في الأخير إلى رفع منزلة المديرين والمصرفيين إلى مراتب كانت في السابق حكرا على الملاك، الذين غرقوا في الملذات أو انشغلوا بالأعمال الخيرية عبر إنشاء مؤسسات مالية لم تعد بالضرورة تحت مراقبتهم·
لقد وقع التحول الحقيقي للرأسمالية عندما أدرك المديرون أنهم عملياً يتحكمون في الشركات التي قامت بتوظيفهم· لقد كانوا مبدئيا تحت مراقبة مجالس الإدارة، لكنهم مع الوقت عززوا مواقعهم وأصبحوا في موقع يمكنهم من السيطرة على هذه المجالس والتحكم فيها عبر اللجوء إلى المحسوبية والمكافآت المالية وعبر تبادل التعيينات على رأس المجالس الإدارية للشركات، وغيرها· ومما لاشك فيه أن المديرين مطالبون بتقديم نتائج مالية جيدة، ولكن فضائح السنوات الأخيرة أظهرت تساهل شركات التدقيق المالي مع الشركات التي تدفع لها (إذ تصبح بمرور الوقت مستشارة لديها في الشؤون القانونية، وتناط بها مسؤولية تطوير الاستراتيجيات)·
لقد أدت كل هذه العوامل مجتمعة إلى خدمة المصالح الشخصية والمهنية للمديرين، والتي لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الشركات التي يعملون فيها، أو مع مصالح أصحاب الأسهم والموظفين· ولم تتح لأصحاب الأسهم إمكانية التأثير في قرارات شركاتهم إلا بعدما تطورت صناديق المعاشات، ومع ذلك، لم يكن ذلك ممكنا سوى عبر الوساطات والتقائها بمصالح مديري هذه الصناديق· وكثيرا ما كانت صناديق المعاشات التي يفترض أن يحتفظ بها جانبا وتكون في مأمن، تستثمر في الشركة نفسها، ما كان يعرضها لخطر التلاعب وسوء الإدارة، بل وللنهب في بعض الحالات·
إلـــى ذلك، يرى ''بوغل'' أن المديرين الجدد يستطيعون التلاعب بمكافآتهم الخاصة نظراً لأنها أصبحت مرتبطة بأداء الأسواق المالية، إذ يمكنهم التحكم فيها بطريقتين، تعتبر الأولى ''كلاسيكية'' وتقوم على تحسين وتعزيز أداء الشركة، أما الطريقة الثانية فتقوم عل