للبنانيين ذكريات غريبة مع التظاهرات والمسيرات الشعبية، السياسية منها وغير السياسية·· بعض هذه الذكريات مأساوية والكثير منها مضحكة، وجزء منها خليط من الغرابة والمأساوية والكوميديا·
ويحكي اللبنانيون أنه في إحدى المسيرات الحاشدة خلال حقبة السبعينيات، خرجت جموع غفيرة من المتظاهرين في شوارع بيروت للتظاهر ضد إسرائيل والصهيونية العالمية وغيرها، كما كان الحال عليه في ذلك الوقت· وضمت التظاهرة آلافاً من البشر يمثلون أحزاباً وتيارات سياسية من مختلف الفئات والمشارب، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مروراً بأحزاب الوسط والدينية وشبه الدينية وغيرها·· وعند نهاية المسيرة، قاد أنصار وقياديو الأحزاب الدينية الجموع إلى مسجد لأداء صلاة الظهر·· فدخل المسجد رجال الدين، وقادة بقية الأحزاب ومن بينهم اليساريون والعلمانيون الذين استحوا من قادة الأحزاب الدينية، فدخلوا الجامع معهم باعتبار أن ''حشرة مع الناس·· عيد!!''··
في المسجد سارع أحد قادة الحزب الشيوعي، وكان معروفاً عنه أنه من عتاة الشيوعيين الذين لا يعترفون لا بالدين ولا بأي نبي ولا بكتاب سماوي والعياذ بالله·· ثم أمسك الميكروفون وأطلق خطاباً دينياً نارياً، داعياً إلى الجهاد في سبيل الله والوطن ومحاربة أعداء الله والحشد ضد عدو الله وما إلى ذلك من دعوات·· ليس هذا فحسب، بل أخذ هذا الشيوعي العتيد يستعين بالقرآن والآيات والأحاديث وكأنه ''أبو موسى الأشعري''·!·
وهنا اندهش قادة بقية الأحزاب الدينية الذين استغربوا أصلا من دخول هذا الشيوعي الجامع من البداية·· وحين شعروا بأن هذا الشيوعي يزايد ساحباً بساط الحماس من تحت أرجلهم، حركوا العمامات كتعبير عن الاحتجاج، وأخذ بعضهم ينظر إلى البعض الآخر·· وما كان من أحدهم إلا أن وقف أمام حشد المصلين مقاطعاً الزعيم الشيوعي قائلا للناس بصوت جهوري مرتفع: ''انظروا من ذا الذي يتكلم!·''·· ومن يومها صارت جملة ''انظر من ذا الذي يتكلم'' كالمثل، يتبادلها بعض السياسيين اللبنانيين حين يريدون الاستهزاء ممن يقول شيئا ويفعل شيئا آخر··
لا أدري لماذا تذكرت هذه الواقعة، وأنا أقرأ هذه الأيام لكتاب ومثقفين ومحللين وسياسيين عرب مقالات نارية يصبون فيها جام غضبهم على الأنباء التي سربتها وسائل الإعلام الأميركية عن إصدار الرئيس الأميركي جورج بوش أوامر بالتنصت على مكالمات هاتفية لأشخاص داخل الولايات المتحدة، يشتبه في صلتهم بتنظيم ''القاعدة''··
ومع أن هؤلاء الكتاب أنفسهم على دراية تامة واطلاع بما فعلته وتفعله أجهزة الاستخبارات في ''جمهوريات الموز'' الفاشية التي ينتمون إليها في هذا الشأن بالذات، إلا أنهم وجدوا أن من الأسهل أن يوجهوا سهامهم النارية إلى بوش ومخابراته التي تنصتت على أشخاص داخل الولايات المتحدة، دون أن يشيروا بطبيعة الحال إلى ما تفعله أجهزة الاستخبارات في الجمهوريات الفاشية في العالم الثالث المتخلف··
تقرأ لأحدهم فتظن أنه قادم من بلاد تسودها العدالة والفضيلة واحترام حقوق الإنسان وأصحاب الرأي، وتظن حين تقرأ انتقادهم لسلوك جهاز المخابرات الأميركية في التنصت على تلك المكالمات، وكأن أجهزة الاستخبارات في ''جمهوريات الموز'' تفيض من سلوكياتها الحنية والود واللطف والاحترام·· مع العلم بأن بعض هؤلاء الكتاب الناريين، ربما يكون هو أحد ضحايا تلك الأجهزة في بلاده أو في إحدى الجمهوريات الفاشية تلك·· وربما يكون التنصت قد قاده إلى استجواب أو معتقل بسبب مقال أو رأي أبداه هنا أو هناك!··
لهـــؤلاء يكفــــي أن نقول: ''انظـــــر مـــن ذا الــــذي يتكلـــم؟!''··