لا تناقض بين الدين والعقل
في مقالته المعنونة بـ'' الثقة بالعقل'' المنشورة في ''وجهات نظر'' الثلاثاء قبل الماضي، عاب الدكتور البغدادي ،على حملة الشهادات العليا في المجتمعات العربية الاستماع إلى رجال الدين، وقلة اهتمامهم بالشعر والفكر، وربط بين الدين والأفكار المتعلقة بالجن وسيادة هواجس الأحلام، وغير ذلك من الظواهر التي يعدها من الخرافات· كما ربط بطريقة غير منطقية بين بعض الظواهر السالبة في مجتمعاتنا وبين الدين· ورغم دعوى الدكتور إلى الثقة بالعقل، فقد حاد في مقالته عن إحكام العقل، ووقع في التعميم والأحكام التي تفتقر إلى البينة والبرهان·
صحيح ما نسبه إلى الدكتور فؤاد زكريا، من وجود تناقض بين العقل والخرافة ولكن ليس بصحيح ما زعمه البغدادي من ارتباط بين الدين والخرافة· فالدين الإسلامي لم يدع إلى العلم والمعرفة والنظر والتفكير واستخدام العقل فحسب، بل حرر العقل من التقليد واتباع الهوى وطالب بإقامة المعرفة على البراهين والأدلة، ودعا إلى بناء العقائد على العلم، وجعل الايمان بالغيب مرتبطاً بما ورد في النصوص الصحيحة والصريحة، ولم يجعل ذلك تبعاً لخيالات الناس وأهوائهم· ودين بهذه القيم لا مجال فيه للخرافة والشعوذة والدجل· وواقع المسلمين الذي تسود فيه مثل هذه الظواهر، إنما هو نتيجة للجهل الذي يسود مختلف جوانب حياتهم، ومن بينها قيم الدين وتعاليمه·
حل مشكلات الحياة، لن يكون بالعقل وحده، كما يقول البغدادي، فكثير من العقول قد تضل، وما المظاهر السالبة في المجتمعات الغربية العقلانية العلمية، إلا دليل على ذلك· لذلك وضع الدين الإسلامي أسساً وقواعد تقوم عليها حياة الإنسان، وجعل من بينها تجارب البشر وإعمال العقل المستنير بالشرع· وليس في الإسلام ذلك التناقض المتوهم بين الدين والعقل· بل إنَّ العقل مؤيد للشرع، وداعم له· وقديماً أدرك علماء الإسلام ومفكروه ذلك الارتباط بين الدين والعقل· فالإمام الغزالي يجعل كتاب العلم مقدمة لموسوعته إحياء علوم الدين· وابن رشد يؤكد الصلة بين الشريعة والحكمة و(الفلسفة)·
د·أحمد محمد أحمد الجلي- جامعة أبوظبي