ردا على السيل العارم من الأسئلة التي أثارتها بعض التقارير الإخبارية التي تفيد بأن الرئيس بوش وافق على برنامج للتنصت على المواطنين الأميركيين من دون الحصول على إذن قضائي، أعلن البيت الأبيض أن الكونغرس منحه هذه السلطة في إطار القانون الذي تم التصويت عليه سنة ،2001 والذي يسمح باستعمال القوة ضد تنظيم ''القاعدة''·
ويوم الثلاثاء الفائت صرح نائب الرئيس ديك تشيني بأن ''الكونغرس منح الرئيس سلطة استعمال جميع الوسائل الضرورية من أجل محاربة الإرهابيين، وذلك ما قمنا به''·
لقد شاركت، بوصفي زعيما سابقا للأغلبية بمجلس الشيوخ، في مناقشة ذلك القانون مع البيت الأبيض على مدى يومين· وبالتالي، أؤكد بأن موضوع التنصت على المواطنين الأميركيين من دون مذكرة قضائية لم يطرح أبدا على طاولة النقاش، كما أؤكد أنني لم أوافق، ولم أكن لأوافق، على منح الرئيس هذه السلطة التي تخول له التنصت على الأميركيين· وأنا على يقين تام من أن أعضاء مجلس ''الشيوخ'' الثمانية والتسعين الذين صوتوا لصالح السماح باستعمال القوة ضد ''القاعدة'' لم يكونوا يعتقدون بأنهم يصوتون أيضاً على المراقبة الداخلية من دون إذن قضائي·
مساء الثاني عشر من سبتمبر ،2001 اقترح البيت الأبيض على الكونغرس مشروع قانون يسمح باستعمال القوة ''للردع والوقاية من أي أعمال إرهابية تستهدف مستقبلا الولايات المتحدة''· ولأن لغة مشروع القانون كانت تحتمل التأويلات ولم تكن دقيقة المعاني، اختار الكونغرس بدل ذلك في الرابع عشر من سبتمبر عبارة السماح باستعمال ''القوة الضرورية والمناسبة ضد الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يقرر (الرئيس) بأنهم خططوا أو سمحوا أو ارتكبوا أو ساعدوا'' على تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر· وبالتالي، وبالنظر إلى اللغة الواردة في التعديل، فإن الكونغرس لم يمنح الرئيس السلطة المطلقة التي كان يسعى للحصول عليها، مشددا على ضرورة أن تستعمل السلطة التي خولت له في محاربة أسامة بن لادن و''القاعدة'' بشكل خاص· إلا أن البيت الأبيض، وقبيل أن يصوت الكونغرس على هذا الحل التوافقي، سعى إلى إضافة تعديل واحد أخير، حيث طالبت الإدارة الأميركية، قبل دقائق معدودة فقط من أن يدلي أعضاء المجلس بأصواتهم على مشروع القانون، هو إضافة عبارة ''في الولايات المتحدة'' بعد عبارة ''القوة المناسبة'' إلى النص الذي اتفق عليه· ولما كان هذا التعديل الذي اقترحته الإدارة الأميركية في آخر لحظة سيمنح الرئيس سلطة مطلقة ليس في الخارج فحسب- حيث نفهم جميعنا حاجته إليها- ولكن أيضا هنا في الولايات المتحدة، ولربما ضد المواطنين الأميركيين، لم أر ما يبرر ويدعو إلى أن يوافق الكونغرس على طلب كهذا من أجل الحصول على سلطة إضافية، ولذلك رفضت·
رغم مشاعر الصدمة والخوف التي انتابت الشعب الأميركي خلال الساعات التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ورغم أن البلاد كانت ما تزال تعيش على وقع الصدمة التي خلفها أول هجوم على التراب الأميركي منذ الهجوم الياباني على ''بيرل هاربر''، ورغم اعتقادنا حينها بأن الآلاف قد قتلوا في هذه الهجمات وبأن الكثير ممن يعملون بمركز التجارة العالمي والبنتاغون لم يتم عدهم بعد، بالرغم من ذلك كله، لم تكن أغلبية قوية من الحزبين لتصوت على طلب الإدارة الأميركية بمنحها هذه السلطة· وإذا كانت إدارة بوش تقول حالياً إن تلك السلطات وردت ضمن المقتضيات الأصلية للقرار الذي تبناه الكونغرس، فإن واقع الأمر أن الإدارة كانت تشعر حينها بشكل واضح بأنها ليست كذلك، وإلا فما كانت لتحاول إضافة العبارات المشار إليها آنفا·
إن جميع الأميركيين متفقون على أن حماية بلادنا من الإرهابيين تقتضي توظيف الوسائل القوية والحديثة، وهذا الاتفاق انعكس في دعمهم، الذي كاد يكون إجماعاً، للقرار الأصلي ولقانون ''باتريوت أكت'' في تلك الأيام الصعبة والدقيقة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر· ولكن ثمة طرقا مشروعة وأخرى غير مشروعة للقضاء على الإرهابيين، وهو تمييز لا تعترف به الإدارة الحالية على ما يبدو· فبدلاً من أن يستخدم البيت الأبيض وسائل وطرقا تحترم وتراعي حرية الأميركيين وتكون مبعث إيمان وثقة لديهم، يبدو أنها اختارت الطرق التي لن تؤدي سوى إلى تنامي المخاوف والشكوك·
إذا ثبتت صحة التقارير الإخبارية التي تناقلتها بعض الوسائل الإعلامية طوال الأسبوع المنصرم، فإن الرئيس يكون بذلك قد مارس سلطات لا أعتقد أن الدستور قد خولها له، كما أنني أعلم أن القانون الذي شاركت في مناقشته، والذي وافق عليه الكونغرس بعيد الحادي عشر من سبتمبر، لم يخولها له· ولذلك، أرى بأنه على الرئيس أن يشرح المبررات القانونية التي استند إليها في السماح بالقيام بأعمال التنصت· كما ينبغي على الكونغرس إجراء تحقيق في هذه الأعمال وفي المبررات التي يقدمها الرئيس، على أن تتعاون الإدارة الأميركية تعاونا كاملا مع لجنة التحقيق·
وإلى أن يتم ذلك، وفي حال رأى الرئيس بوش بأن الآليات القانونية المعمول بها حاليا في بلادنا ليست كافية