انقضى أكثر من شهر على ثورة المهاجرين المهمشين في ضواحي باريس· والتي استمرت ما يقرب من ثلاثة أسابيع· بدأت عنيفة وخفت حدتها بعد ذلك بقانون الثورات والانتفاضات والهبات الشعبية· دلالاتها أهم من أحداثها· والدروس المستفادة منها هي الأبقى في التاريخ بعد أن تندثر الأحداث من الذاكرة، ويطويها النسيان·
كانت أشبه بمظاهرات الشباب في مايو ،1968 تلقائية، بدأت بفرنسا، وانتشرت خارجها وإن لم تبلغ حجمها· حرَّكتها نفس الدوافع، التهميش وتسلط الكبار، وعدم المشاركة في تحديد مستقبلهم، والتلقين في التعليم، وبيروقراطية المؤسسات، والشعور بالقهر·
وهي ليست فريدة بالعصر الحاضر· فقد قامت على مسار التاريخ ثورة العبيد في روما، وثورة القرامطة وثورة الزنج في بغداد، والهبات الشعبية في تاريخنا المعاصر من أجل الخبز والحرية·
والسبب مزدوج، يرجع إلى طبيعة المجتمعات الأوروبية التي يعيش فيها المهاجرون· فهي مجتمعات عنصرية في اللاوعي الحضاري بالرغم من فلسفات التنوير وقيم الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان والادعاء بأن الحضارة الغربية هي الحضارة العالمية، نموذج التحديث· فمازالت تتعامل في الممارسة بالمعيار المزدوج· ما ينطبق داخل أوروبا لا ينطبق خارجها· وقيم الحرية والديمقراطية والعدالة في الداخل تتحول إلى نقيضها حين ممارستها في الخارج إلى ممارسات القهر والتسلط والاستغلال· بل إنه معيار مزدوج داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها· قيم تنطبق على الطبقات العليا والوسطى وتنحسر عن الطبقات الدنيا من المهاجرين والملونين· فالعامل الحاسم في العنصرية في اللاوعي الحضاري الأوروبي هو لون البشرة ثم لكنة اللغة ثم الأصل أو المصدر· فاللون الأبيض هو الأعلى يدنوه الأصفر ثم الأسمر· واللكنة الأوروبية في النطق أعلى من اللكنة الآسيوية والأفريقية· والهجرة الأميركية اللاتينية أعلى من الهجرة الآسيوية ومن الهجرة الأفريقية· سماهم وزير الداخلية ''الحثالة''، وهو المرشح لمنصب رئاسة الجمهورية، تملقاً لليمين الأوروبي الصاعد والأحزاب النازية الجديدة، والمحافظين الجدد والمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة·
إن علاقة المركز بالأطراف لا تنطبق فقط على علاقة المركز الأوروبي بأطرافه في آسيا وأفريقيا· بل وتنطبق أيضا داخل المجتمع الأوروبي ذاته داخل المدن· فهناك مراكز المدن في الأحياء الراقية في وسط المدينة التي بها البنوك والشركات ومؤسسات الدولة مثل الأحياء العشرة الأولى في مدينة باريس· وهناك أطرافها التي يسكنها الملونون والمهاجرون مثل الأحياء الثلاثة الأخيرة· فالأطراف كالمناطق العشوائية في مدننا العربية، أرخص سعرا وأقل نظافة وأكثر عصيانا للقانون· تسكنها الأجيال الثانية والثالثة من المهاجرين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية أو على الأقل الجنسيات المزدوجة· وفي بيوتها البالية تندلع الحرائق لغياب التأمين عليها· وفي أزقتها تنتشر الجريمة والجنس والمخدرات· وبين شبابها تعم البطالة وينشأ الشعور باللاانتماء· فهم ثقافيا مازالوا يعيشون ثقافة الوطن الأم، في اللغة، والعادات والتقاليد والقيم والهوية· أقلية تعيش وسط أغلبية، تصدر عن سلوك الأقليات، والإحساس بالاضطهاد· لا تعمل إلا بالأعمال التي لا يقترب منها الرجل الأبيض، تعبيد الشوارع، البناء، المجاري، تنظيف الطرقات· أقرب إلى العمال المتجولين، وعمال التراحيل كما هو الحال في بلادنا· وكما شق ''الزنوج'' في الولايات المتحدة بعد خطفهم من أفريقيا للقيام بالأعمال اليدوية التي لا يقوم بها المهاجرون البيض النازحون من أوروبا كذلك شق عمال شمال أفريقيا الأنفاق لتسيير القطارات·
أقامت الحكومات الاشتراكية الإسكان الشعبي وهو ما يسمى ''الإسكان المتوسط الأسعار'' HLM· وقدم به العهد· وأصبح بالياً لا يتفق مع أنماط البناء الحديث· وهي تجمعات إسكانية بلا هوية مجرد معلبات متشابهة· قدمت خدماتها العامة في المياه والغاز والكهرباء· وأصبحت آيلة للسقوط لسوء العناية بها· هي أحياء خدمات، مصدر للعمالة، للأحياء الراقية وسط المدينة·
وبدلا من تحليل الأسباب الاجتماعية لثورة المهمشين في العواصم الأوروبية يتم اللجوء إلى الأسباب النمطية التي مازالت قابعة في اللاوعي السياسي الأوروبي، وهو عنف الإسلام، والثقافة العربية المتخلفة، والأصولية الإسلامية، وجماعة أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي وأيمن الظواهري وامتداد تنظيم ''القاعدة'' داخل أوروبا للانتقام من المجتمعات الأوروبية وتدميرها· فالمهاجرون يأتون من ثقافات غير متحضرة، ويعيشون وسط العالم المتحضر، العالم الحر· ولا يستطيعون التكيف معه· ويمارسون ثقافة الخراب والتدمير· ألم يلاحظ ابن خلدون من قبل أنه إذا حل العرب بأوطان أسرع إليها الخراب؟ أليس من الأمثال العامية ''العرب جرب''· وهنا تكشف العنصرية عن رؤيتها للعالم، وتسقط عقليتها على السلوك الإنساني· وينسى الوعي الأوروبي ما نادى به دائما من أنه مؤسس العلم الحديث، والمنهج التحليلي للعوامل، والمنهج الاجتماعي، والوضعية الاجتم