التشكيك بمصداقية الولايات المتحدة فيما يتعلق بالوعود الديمقراطية التي وعدت بها شعوب الشرق الأوسط بعد غزو العراق، بدأ يتصاعد في أوساط العرب الليبراليين الذين راهنوا على الحصان الأميركي بعد الترويج المتقن الذي قاده وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول والمستشارة السابقة في البيت الأبيض وزيرة الخارجية الحالية كوندوليزا رايس قبل حوالي عام ونصف·
التشكيك لم يأتِ من تجاهل الولايات المتحدة للمطالب البسيطة التي يرنو إليها الليبراليون العرب، الذين لهم رؤى تختلف مع آراء الأنظمة فيما يتعلق بتحديث المجتمعات وبث قيم الديمقراطية في روح الشعوب والأنظمة على السواء·
إن الاستطلاع الذي قامت به جامعة مريلاند في الولايات المتحدة مؤخراً عكس رؤية العرب تجاه الأطروحات الأميركية خصوصاً ما تعلق بمحاربة الإرهاب أو نتائج احتلال العراق أو الصورة الأميركية لدى الشعوب العربية·
ولقد كان من نتائج الاستطلاع -ضمن أمور أخرى- أن 69% من المستطلعة آراؤهم قد شككوا في أن يكون الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو نشر الديمقراطية· واعتبروا أن أهداف الولايات المتحدة هي الوصول إلى النفط وحماية إسرائيل والهيمنة على المنطقة وإضعاف العالم الإسلامي· كما أبدى جزء من المستطلعة آراؤهم أن تكون فرنسا أو الصين هي القوة الكبرى في العالم وليس الولايات المتحدة· هذه النتائج تؤكد دونما مواربة خيبة أمل الليبراليين العرب، الذين رأوا في أميركا النموذج المنقذ من الديكتاتوريات والأنظمة المتسلطة في الشرق الأوسط· وهو أمر لا يصب في صالح الولايات المتحدة، إذ أن الجماعات الدينية -وهي فئة كبيرة وغالبة في النسيج العربي- تعادي الولايات المتحدة وترفض الحوار معها استناداً إلى مقاربات تاريخية تمس عقيدة المسلمين، لعل أهمها الدعم اللامحدود الذي تقدمه لإسرائيل، وتحمسها للتفوق الإسرائيلي على العرب، والذي كان من نتائجه هزيمة العرب في ثلاث حروب مؤلمة· كما يأخذ المسلمون على الولايات المتحدة كيلها بمكيالين فيما يتعلق بالقضايا التي تخص الشرق الأوسط، وإمعانها في التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الإسلامية سواء كان ذلك عبر التواطؤ مع الأنظمة أم بالقوة كما حصل في العراق أو أفغانستان، أو كسب أصوات الضغط الدولي كما يحصل على سوريا أو إيران· وما يزيد في قتامة الصورة التي تحاول الولايات المتحدة ''تجميلها'' هي الفضائح التي انتشرت عن سوء معاملة السلطات الأميركية للسجناء، سواء كان ذلك داخل العراق أو في جوانتنامو·
إن الإشكالية التي تطل برأسها في بعض الدول العربية هي أن التحول نحو الديمقراطية بدأ يظهر شكوكاً حول حقيقة مفهوم العرب لمصطلح الديمقراطية، أو الظروف الخاصة التي يعيشها العرب ضمن المفاهيم الثيوقراطية والقبلية· ذلك أنه يوجد في بعض الدول من يقاطع الانتخابات أو الدخول في البرلمانات لمجرد إحداثيات تاريخية، أو احتجاجاً على سلوك الأنظمة فيما يتعلق بالتشكيل الديموغرافي للسكان· حيث تلجأ بعض الحكومات إلى تحقيق أغلبية في البرلمان عبر قوانين أو إجراءات تؤثر على حقيقة الانتخابات النزيهة· وكان من نتائج ذلك أن تتم السيطرة على القرار إما عبر توجهات الحكومات، أو عبر هيمنة جماعات معينة -قد تكون إسلامية- ترفض نهج الحكومات أو الجماعات الليبرالية في التطور والحياة الحديثة· وتلجأ إلى التلويح بعصا الديمقراطية، وتطبيق رأي الشعب فيما تطرحه من رؤى قد تخالف طبيعة الحياة، مثل الحفلات الغنائية أو تطوير أساليب السياحة أو المناهج التربوية وغيرها· وهنا يسقط في أيدي الليبراليين الذين لا تسندهم الولايات المتحدة كما وعدت، ولا الأنظمة ولا جمعيات النفع العام التي يتمحور كثير من برامجها حول الإصلاح الديني فقط!
وإزاء صمت الولايات المتحدة على ما يجري في المنطقة العربية، سواء ما تعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي أو الوضع في العراق أو قولبة الشكل الديمقراطي ''الإصلاحي'' حسبما ترتئيه الدول، فإن ذلك يكشف الغطاء عن حقيقة نوايا الولايات المتحدة في استمرار تدفق النفط إلى مستهلكيه في أميركا أو أوروبا، وأن هذه الشعوب التي دافعت عنها الولايات المتحدة -عبر الإعلام- ما هي إلا قطيع يمكن تسييره عبر التحالف مع الأنظمة وكسر شوكته أو رمي الجزرة إليه متى جاع إلى سراب الديمقراطية!
وفي حال كهذه، فإن حالة ''استرخاء'' بعض الأنظمة من ''مشاغبة'' الليبراليين تتفاقم وتنتشر· وحالة الإقصاء التي تمارس ضدهم تتزايد، ولا نستبعد أن يكون اللجوء إلى الليبراليين متأخراً إذا ما تعارضت مصالح الولايات المتحدة مع الأنظمة أو مع أعضاء البرلمانات، إذا ما طغت مطالب أغلبية معينة في نمط سياسي قد يصل إلى حد قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو المطالبة أو المجاهرة العلنية في رفض أطروحات الأنظمة والتي تتعارض مع توجهات الأغلبية في البرلمانات المنتخبة· لذلك لجأت بعض الدول العربية إلى محاولة تجنب ذلك المشهد عبر ''تخليق'' نصف ديمقراطية! وهي وصفة ذكية تعالج الظروف المستقبلية التي قد تنشأ، فتحتفظ ال