لا أدري إلى أي مدى يعرف اللبنانيون أن وطنهم حبيب إلى قلوب العرب، وإن كان بعضهم يرونه مختلفاً عنهم أكثر مما ينبغي، لكن الكثرة ترى في هذا الاختلاف شيئاً عزيزاً يستكملون به نقصاً فيهم· في غياب الديمقراطية أو تواضعها عربياً، بدا لبنان دائماً هو الأكثر ديمقراطية بين الأقطار العربية· صحيح أن عربياً مستنيراً واحداً لا يستطيع أن يعتبر النموذج اللبناني القائم على التوازن بين الطوائف نموذجاً أمثل للحكم، لكن الكافة يعترفون أنه مع ذلك كان البديل الأفضل لهيمنة طائفة على غيرها من الطوائف، وأنه في النهاية أفضى إلى أكثر الديمقراطيات حيوية في الوطن العربي·
في هذا الإطار وجد العرب منذ عقود في ازدهار حرية الإعلام في لبنان متنفساً لهم، ونافذة يطلون منها على ما أخفي عنهم في أوطانهم، يرون منها الجميل والقبيح في آن واحد، لكن النموذج بدا موحياً للمستقبل: أن تكون لديك القدرة على العيش مع من تختلف معهم بل وأن تتفاعل معهم وتصطدم أحياناً، دون أن يؤدي كل ذلك إلى هدم البناء ولا يجب أن يؤدي· هذه الصيغة التي أعلم أن بعض اللبنانيين يرونها متخلفة من المنظور السياسي بدت أفضل الممكن بل وأفضل من غيرها من الصيغ عربياً· وقد تعرضت لمحنة قاسية دامت قرابة الخمس عشرة سنة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينياته· لم يكن النموذج اللبناني وحده هو سبب هذه المحنة بل لم يكن سببها الأساسي وإنما تعين على لبنان فيها أن يدفع استحقاقات عربية وإقليمية وعالمية، ومع قسوة المحنة أحسب أن شعب لبنان قد تعلم منها الكثير، وأهم ما تعلمه أن الحرب تهدم ولا تطور، وأن التعايش والتفاعل الإيجابي هو الأبقى والأكثر قدرة على التطوير إلى الأفضل·
انبثقت عن المحنة اللبنانية الكبرى محنة أخرى في علاقة لبنان بسوريا التي تدخلت في بداية الحرب الأهلية بقواتها العسكرية بدعوة رسمية ودعم قوى سياسية لبنانية يعتد بها، وذلك لضبط الحرب في إطار من رضا عالمي وإقليمي وعربي، ثم حدثت بعد ذلك تجاوزات السياسة المألوفة في هذه المواقف عندما يشعر طرف أن له اليد العليا، فأثرت بالسلب على العلاقات السورية بقطاعات واسعة من اللبنانيين، وساهم تحول الرضا الإقليمي والعالمي عن التدخل السوري في تفاقم المحنة·
غير أن الأمور تغيرت جذرياً من المنظور العالمي بعد الغزو الأميركي للعراق، إذ اعتبرت الإدارة الأميركية أن سوريا مسؤولة عن تصاعد المقاومة ضد الاحتلال ناهيك عن المسؤولية المنسوبة إليها أصلاً عن حماية ''قوى التشدد'' في الطيف السياسي الفلسطيني، وهكذا بدا الاستعداد للضغط على السياسة السورية في أضعف حلقاتها وهي الحلقة اللبنانية، وفي هذا السياق صدر القرار 1559 عن مجلس الأمن بشقيه المعروفين: خروج القوات السوية من لبنان ونزع سلاح المقاومة اللبنانية· ثم جاءت واقعة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير الماضي لتثير علامات استفهام واسعة: أكان الاغتيال تدبيراً سورياً انتقاماً من الحريري الذي نُسب إليه دور في خروج القرار 1559 على هذا النحو؟ أم أنه على العكس هو من تدبير خصوم سوريا الذين تتسق مصلحتهم مع إظهار نظام الحكم فيها على هذا النحو الكريه الذي لا يعرف سوى لغة الدم والقتل، وعزز تقريرا ديتليف ميليس، بما تضمناه من شواهد على تورط سوري محتمل في جريمة اغتيال الحريري، وجهة نظر من وجهوا أصابع الاتهام لدمشق على الرغم من أن التقرير ذكر صراحة أن مسألة الإدانة أو البراءة تبقى معلقة إلى حين الانتهاء من التحقيق، وعلى الرغم كذلك من أن أحداً لم يشك للحظة في أن النية الأميركية كانت مبيتة من الوهلة الأولى لتوظيف نتائج تحقيقات ميليس سياسياً ضد سوريا·
وعلى هذه الوتيرة نفسها سارت مجريات الأمور في لبنان بعد ذلك، فسقط عدد من شهداء حرية الكلمة المعروفين بنزوعهم للاستقلال عن سوريا وتفاقمت المعضلة، وأشارت أصابع الاتهام بعد سقوط كل شهيد منهم إلى النظام السوري في تكرار نمطي لمعضلة اغتيال الحريري: توجيه الاتهامات القاطعة لسوريا دون أدنى تحقيق، مع أن المنطق -وإن لم يستبعد احتمال صحة هذه الاتهامات- يفضي إلى أنه من غير المعقول أن يكون النظام السوري باحثاً عن المتاعب إلى هذا الحد وغير مدرك أن أفعاله سوف تسبب تصاعد النقمة والضغوط الدولية عليه إلى حد احتمال فرض عقوبات، مع أن التوقع المنطقي هو أن يسعى هذا النظام بما أبداه من تكيف سابق مع الواقع العربي والإقليمي والعالمي الجديد إلى تخفيف الضغوط عليه وليس مفاقمتها·
كان جبران تويني فارس ''النهار'' هو آخر الشهداء، ويتمنى المرء أن يكون كذلك فعلاً، لأن لبنان لم يعد يحتمل المزيد ولأن اغتياله وضع لبنان في قلب الخطر: استقطاب سياسي داخلي حاد حول خطوط سورية: مع أو ضد سوريا، وتحفز دولي لاستغلال الموقف من أجل تحقيق الأهداف الإسرائيلية والأميركية تجاهها، ولو حدث أن وصلت الأمور إلى حد اتخاذ إجراءات عنيفة ضد سوريا دولياً بذريعة ما يحدث في لبنان فإن التداعيات التي قد تنجم عن تطور كهذا لن تبشر بخير في الساحة