لم أفاجأ مطلقاً بالتحذير الذي أطلقته منذ فترة إحدى الصحف المحلية على صفحتها الأولى للأندية والدوائر الحكومية والشركات الخاصة بعدم تقديم أي هدايا أو هبات لبعض الصحافيين· فلقد كنت، قبل سنين مضت، طرفاً في عملية إهداء خفيفة: هاتف متحرك ومبلغ 500 درهم·
القصة أن شقيقاً لي قرر إقامة بطولة رياضية تتنافس فيها الجاليات الموجودة في الإمارات بإشراف من سفارات تلك الدول· ولأن البطولة أخذت تكبر فجأة خاصة بعد إبداء أكثر من 40 سفارة رغبتها في المشاركة، ولم يكن شقيقي يتصوّر أن الأمور ستحتاج إلى صحفيين، فقد استعان بي وعلى عجل للتنسيق معهم على خلفية اهتمامي بالصحافة واشتغالي بالكتابة هنا وهناك·
قبل البطولة بأيام أخبرني أنه يجب عليّ حضور حفل إفطار أقامه على شرف الصحافة، فتكريم الصحافة واجب قبل البطولة وبعدها، هكذا علّموه وهكذا فهمت· سحبت نفسي إلى الحفل الذي حضره مندوبون عن الصفحات الرياضية لجرائد الدولة وكذا بعض المجلات الرياضية·
بعد الانتهاء من الأكل والمجاملات، سلمني أحد الأعضاء ''المهر'' كوني المعني بتوزيعها على الصحفيين كهدايا أولية بصفتي مسؤولاً عن اللجنة الإعلامية، وبعد أخذ ورد واحمرار وجه وخد، وقفت عند مدخل قاعة الحفل أكرّمهم واحداً إثر واحد·
ولعلّ حسن النية يشفع لي، لأنني كنت أعتقد أن هذا هو الوضع الطبيعي، لكن الذي حصل بعد ذلك جعلني افتح عيني أكثر· فأثناء جلسة الشيشة التي تلت ''التكريم'' ذكر لي أحد الصحفيين أن شركة دعتنا إلى مؤتمر للإعلان عن إحدى البطولات، لكنها لم تقدرنا ولم تحفل بتكريمنا، فما كان منا إلا الاتفاق على عدم نشر أي خبر عن البطولة·
وأضاف إن البطولة بدأت لكن لم تنشر الجرائد شيئاً عنها، فاضطرت الشركة إلى الاعتذار إلينا، يعني تكريمنا، فكان لها ما أرادت· يريد أن يقول إننا مثل التليفون العمومي: لا نكتب إلا بعد إدخال النقود·
وزاد من يقيني بأن الأمر ضحك على المهنية والحيادية في الأخبار التي كانت تنشر عن البطولة، فالمدرجات كانت خالية في معظم الأيام إلا منا نحن المتورطين في البطولة، لكن الصحافة كانت تنشر في اليوم التالي أن جمهوراً غفيراً حضر المباراة·
وكان كل شيء في البطولة سيئاً ما عدا أي شيء يُسعد جيوب وبطون مندوبي الصحف، ومع هذا كانت الأخبار تنشر أن البطولة ناجحة وبكل المقاييس· كيف ناجحة وقد اضطرت إحدى الفرق اللعب بملابس داخلية خاصة بالعاملين في البطولة بعد تأخر وصول الملابس؟· هذا غيض من فيض ''نجاحات'' البطولة·
لكن الذي يجعل تعميم هذا الكلام على كل العاملين في الصفحات الرياضية تجنياً واتهاماً بلا دليل، هو أن كل جريدة لديها أكثر من محرر، لكن المجموعة التي تعاملت معها كانت تعتبر تغطية الأخبار عملاً يحتاج إلى مقابل وليس الراتب الذي تتقاضاه من الجريدة·
وبعد انتهاء البطولة وخسارة شقيقي رأس ماله، كنّا جلوساً نتحسر على الخسائر وفي الوقت نفسه نضحك على بعضنا بعضاً، فسألنا شقيقي عن ''المُؤخَّر'' أي الهدايا التي يجب أن يوزعها بعد الانتهاء من البطولة، فقال ساخراً: اتصالاتهم لا تتوقف من الهواتف التي لطشوها مني لكن ''خلهم يولّون''، أي فليغربوا عني·
أحمد أميري
ahmedamiri47@yahoo.com