انتهت أخيراً معارك مصر الديمقراطية: تعديل المادة 76 من الدستور، انتخابات رئاسة الجمهورية ثم انتخابات البرلمان· حقق الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات التشريعية هذه ما بين 71 و75 في المئة من إجمالي العضوية الفائزة، في عدة جولات امتدت شهراً كاملاً، ابتداءً من 7 نوفمبر ·2005 فاز في هذه الانتخابات التاريخية كذلك عدد كبير من مرشحي ''الإخوان المسلمين'' قارب التسعين مرشحاً، بينما فشل 16 حزباً معارضاً فيها! هل ستتغير مصر بعد هذه الانتخابات؟ هل يمكن إجراء تحولات عميقة على نظام الحكم من خلال العمل البرلماني؟ هل هذه هي المرحلة الأولى من هيمنة ''الإخوان المسلمين'' على السلطة؟ هل ستدرس أحزاب المعارضة التي تراوحت نتائجها بين ضعف الأداء والفشل، أسباب الهزيمة؟ هل ستراجع القطاعات السلبية العريضة من الفئات التي لم تشارك في أي من معارك مصر الديمقراطية موقفها استعداداً للحملات القادمة؟
وفي عدد أكتوبر2005من ''دورية الديمقراطية، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية'' يتساءل، د· عماد الدين شاهين، ''هل تتحول مصر ديمقراطياً''؟ ويقول: كيف يمكن توصيف ما يحدث في مصر الآن على ضوء أدبيات ونماذج التحول الديمقراطي التي تحققت في دول أخرى في أوروبا الشرقية وآسيا وأميركا اللاتينية؟
ويجيب د· شاهين قائلاً: ليس كل التحولات السياسية تؤدي بالضرورة إلى تحقيق الديمقراطية في نهاية الأمر· فمن مجموع ما يقرب من مئة دولة مرت بحالة التحول من نظم تسلطية إلى نظم أكثر انفتاحاً خلال السنوات القليلة الماضية، تمكنت عشرون دولة منها فقط من المضي في بناء نظم ديمقراطية ناجحة· فالتحول عن الحكم الواحد التسلطي لا يعني بالضرورة التقدم نحو الديمقراطية، وإنما قد تنشأ حالة من الهيمنة الأحادية على موازين القوة السياسية، بصورة لا تسمح بالمنافسة السياسية الحقيقية· ويعقد د· شاهين مقارنة بين مصر والمكسيك وكوريا الجنوبية وتايوان، إذ تشترك مصر مع هذه الدول'' ''في سيطرة الحزب الحاكم على العملية السياسية، والتحول التدريجي الطويل البطيء نسبياً- استغرقت في تلك الدول حوالى 40 عاماً- ووجود معارضة سياسية ضعيفة ومقسمة، وإجراء انتخابات بصورة دورية ولكن بأساليب قللت من مصداقيتها، وانتشار الفساد، وضعف الأداء الحكومي· وكان المفتاح الأساسي في عملية التحول هو تمكن أحزاب المعارضة بعد عدة عقود من الضغط والصراع، من تحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية''·
ويرى شاهين عوامل مشتركة في تجارب تلــــــك الدول فـــــي آسيـا وأميــركا اللاتينية، وهـــــــي: التاريخ الطويل من الانتخابات لمدة نصف قرن في كل بلد، وجود أحزاب معارضة مع السيطرة الأحادية للسلطة على الحكم، بل وحرص النظام على إبقاء المعارضة مع إضعافها، إجراء إصلاحـــات فـــــــــــــي القوانين الانتخابية بشكـــــــــل تدريــــــــــجي، الفســـــاد والتزويــــــــر، الانشقاقــــات عــــــــــن الحـــــــــــزب الحاكـــــــــم، ظهور شخصيات كارزمية بين صفـــوف المعارضـة·
بدأت مصر حالة الانفتاح السياسي من عهد الرئيس السادات قبل ثلاثة عقود، واليوم· ويرى د· شاهين، أن هناك قوتين فقط يمكن لهما أن تمارسا الضغط من الداخل، وهما الحركة الاجتماعية العريضة والأحزاب السياسية· وفي مصر لا تزال الأولى نخبوية ذات طبيعة انتقالية تحالفية هشة، بينما تعاني الأحزاب، يقول الباحث، من ''سياسة الهيمنة الأحادية على السلطة على مدار العقود السابقة''·
ومـــــن مؤشرات ضعــــــف الحياة السياســـــية إدلاء 23% فقــــط من الناخبين بأصواتهم فــــــــي الانتخابات الرئاسية وامتناع 77% عن المشاركة·
ويخلص الباحث إلى استحالة حدوث أي تحول فعال وتقدم نحو نظام ديمقراطي حقيقي، ''إلا بنجاح المعارضة في زيادة قوتها وفاعليتها ووصولها إلى مستوى يصعب فيه على السلطة تحقيق انتصارات سياسية سهلة أو حسم الأمر لصالحها كلية''·
ويشير بعض الباحثين إلى أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أكدت قوة نظام الرئيس مبارك ومتانة بنيان الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم· أما الباحث المصري سامح فوزي فيسلط الانتباه على''إشكالية المساءلة السياسية'' في الواقع المصري· فمن المفترض مثلاً أن تخضع السلطة التنفيذية للمساءلة أمام السلطة التشريعية من خلال أدوات المساءلة البرلمانية أو الاستجواب· إلا أن عوائق قانونية تواجه أعضاء مجلس الشعب تحول دون ممارستهم للرقابة على أعمال الحكومة، لعدم وجود نص قانوني يلزم المجلس بمناقشة الاستجواب في نطاق مدة زمنية معينة مثلما كان سائداً قبل ثورة 1952 حين كان يحظر تأجيل الاستجواب المتعلق بالأمور الداخلية لأكثر من شهر· ويؤدي تمتع الحكومة بأغلبية ساحقة من جملة المقاعد إلى استحالة سحب الثقة منها· ويلزم الدستور في حالة طرح الثقة عن رئيس الوزراء، عرض النزاع بين المجلس والحكومة على الاستفتاء الشعبي، فإذا جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للحكومة اعتبر المجلس منحلاً، وإلا قبل رئيس الجمهورية استقالة الوزارة· ويقول الباحث إن