لا تزال الدوائر السياسية والإعلامية في الكيان الصهيوني تعج بردود الأفعال المتباينة إزاء التطورات السريعة والمتلاحقة على الخريطة السياسية هناك، والتي تشهد كل يوم تغيراً جديداً يضفي عليها مزيداً من التعقيد، بدءاً من انشقاق أرييل شارون عن حزب ''الليكود''، الذي شارك في تأسيسه قبل نحو ثلاثة عقود، وتولي عمير بيريتس، القادم من صفوف اليهود الشرقيين ومن أحياء الفقر والمعاناة، زعامة حزب ''العمل''، الذي كان على الدوام كما يصفه ''أوري أفنيري'' ''حزب الإشكناز القدامى، المقتدرين اقتصادياً، المدللين والمتمتعين بالوضع القائم'' (موقع الحوار المتمدن، العدد ،882 2 يوليو 2004)، ثم انشقاق ''شيمون بيريز'' عن حزب ''العمل''، الذي كان أحد أعمدته ورموزه التاريخية، فضلاً عن حالة الانفراط التي تمر بها الأحزاب الأخرى الصغيرة، حيث يجد أعضاؤها أنفسهم أمام اختيار صعب، فإما مسايرة أمواج التغيير والانضمام إلى أحد الأحزاب الكبرى التي تضمن لهم موقعاً مريحاً، أو التمسك بمواقفهم القديمة، إن كانت ثمة مواقف أصلاً، والبقاء على الهامش·
ويتبارى الكتاب والمحللون الصهاينة في رصد هذه التحولات التي يصفها بعضهم بأنها ''زلزال'' أو ''طوفان سياسي''، بينما يرى فيها آخرون دليلاً على ''اندثار الأيديولوجيا''· كما يسوق هؤلاء الكتاب عدداً من التوقعات عما يمكن أن تسفر عنه انتخابات ''الكنيست'' القادمة في مارس 2006 من انعكاسات على المستوى السياسي الداخلي وعلى مستوى علاقات الدولة الصهيونية بالخارج، وهي توقعات تتراوح بين الإفراط في التفاؤل وفقدان الثقة في العملية السياسية برمتها·
ويجدر التوقف هنا أمام بعض التحليلات التي تعكس رؤية صناع الرأي في الكيان الصهيوني للتحولات السياسية فيه· فعلى سبيل المثال، يرى ''ياعيل غبيرتس'' (صحيفة يديعوت أحرونوت، 27 نوفمبر 2005) أن ''الانفجار السياسي وتحطيم أنماط التصويت يشكلان فرصة ذهبية للإصلاح''، ولكنه يعتقد أن الانتخابات القادمة لن يمكنها أن تسهم في تحسين الثقافة السياسية إلا إذا تحقق أمر آخر وهو ''هدم الأكاذيب المتفق عليها''، ويفصِّل ذلك قائلاً:
''تغيرت خريطة الانتخابات، ولكن يبدو أن جذور الشعار الكاذب، وهو الذي حسم جميع المعارك الانتخابية في إسرائيل، لا تزال أقوى من جذور المؤسسة القديمة التي تهاوت· وبينما تخلص برنامج العمل اليومي في نهاية الأمر من ''قائمة الأولويات'' العسكرية وأصبح يسير في المسار المدني، تستمر الحملات الانتخابية السياسية في بيع السخافة للمواطن الخائف، وكأن الاقتصاد من جهة، والأمن والسياسة من جهة أخرى عالمان منفصلان· والسؤال الآن هو: ما الذي نحتاج إليه؟ ما قدر الإرهاب الذي سيقع حتى يدرك الجميع أن الجيش الإسرائيلي لن يقضي على الإرهاب؟ وإلى أي حد ستتوسع دوائر العنف والفقر بينما تستمر النفقات الضخمة للحفاظ على المستوطنات، حتى يستقر في وعي الجمهور أن الشأن الاجتماعي والشأن الأمني السياسي هما صنوان؟''·
ولا يبدو الكاتب متفائلاً بنتائج الانتخابات، ولكنه يتمسك بالأمل في إحداث تغير في الوعي الجماهيري، حيث إن: ''خصوم اليوم سيصبحون شركاء بعد الانتخابات· لكن أمام الناخب فرصة لتحقيق انقلاب في الوعي، والخلاص من العادة السيئة المتمثلة في استهلاك الأكاذيب السياسية البيضاء· وعليه أن يطلب من المتنافسين قول الحقيقة وعرض خططهم للتقدم، وإيضاح مشاريعهم لإنقاذ المستقبل، ووضع أفكار جديدة مبدعة بدلاً من الأكاذيب المتفق عليها''·
وتعكس كلمات الكاتب انعدام الثقة في الشعارات التي يرفعها الزعماء السياسيون على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، حيث دأب شارون على الادعاء بأن القضية الجوهرية هي ''الأمن'' وأنه الأقدر على التصدي للتحدي الذي تمثله المقاومة الفلسطينية بأشكالها المختلفة، وهو نهج لم يسفر إلا عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بينما تستمر مقاومة الشعب الفلسطيني وتكتسب أبعاداً جديدة برغم سياسات التدمير والتنكيل والاغتيالات· وفي المقابل، يرفع زعماء حزب ''العمل'' شعارات براقة عن تحقيق الرفاهية، ولكنهم في الوقت نفسه يمنحون شارون تفويضاً كاملاً لمواصلة سياساته ويرتضون لأنفسهم دور التابع الذي يتحين الفرصة للمشاركة في حكومة ائتلافية مع من يزعمون أنهم ''خصوم''·
وهذا التباين بين الأقوال والأفعال هو نقطة البدء التي ينطلق منها أوري أفنيري (موقع جوش شالوم، 29 أكتوبر 2005) ليضع تصوره للمشهد السياسي الجديد الذي حل، في نظره، محل وضع قديم كانت أهم ملامحه: ''تحوّل الليكود في السنوات الثماني والعشرين الأخيرة إلى حزب ''مركز- يمين''· لقد اختلطت آراؤه القومية بالانتهازية والفساد المتزايد· وتوسعت زعامته لتشمل أصحاب الأموال، الذين حددوا سياسته الاقتصادية، في وقت تنتمي فيه أغلبية ناخبيه الساحقة إلى الطبقات المستضعفة· كما تحوّل حزب العمل إلى شاهد قبر من تلقاء نفسه، حيث أصبح نسخةً باهتة من حزب ''الليكود''· وكان حفّار القبور الرئيسي فيه هو ''شيمون بيريز''، في الوقت نفسه