أن ترفض الديمقراطية لأنك تعتبرها بدعة مستوردة شيء، ولكن أن تلعن الديمقراطية وتصبغها بأقذع وأتفه الألفاظ وتصف من يطالب بها أو يدافع عن تطبيقها بالكافر والفاسق والملحد أحيانا، فإن هذا ليس من حقك..
العرب المحسوبون على النخب المثقفة الذين يلعنون الديمقراطية الغربية اليوم لأن الدعوات لتطبيقها جاءت من الولايات المتحدة والغرب، غير مدركين أنهم واقعون في فخ التناقض. فهؤلاء هم ذاتهم الذين كانوا حتى الأمس القريب يلعنون الأنظمة العربية التي لا تطبق الديمقراطية، أما الطامة الكبرى فهي أن تأتي اللعنات على الديمقراطية من بعض الذين يطلقون على أنفسهم (رجال الدين)، المحسوبين على الإسلام ظلما وزورا وبهتانا. وقد دأب البعض من هؤلاء مؤخرا على الربط بين توعية المسلمين بأمور دينهم والهجوم الصارخ وغير المبرر على الديمقراطية المطبقة في الغرب، وصب جام غضبهم على هذه الكلمة التي تسمى (الديمقراطية) وكأن مصائب الكون كلها مرتبطة بها.
أحدهم صار مألوفا في طلته بأنه الشيخ المعادي للديمقراطية، فما أن يندمج في خطابه الديني وفي حديثه (التوعوي)، حتى يبدأ بشتم الديمقراطية الغربية وسب الغرب الذي يطبقها، فيربط كل المآسي التي حلت بالبشرية بتطبيق الديمقراطية، فهي بدعة، وضلالة ، وهي كفر وفسق وفساد ونفاق وشر من الشرور، وهي ملهاة و مأساة ولهو ولعب!
ليس من المعقول أن يمارس بعض المحسوبين على الدين مثل هذا التسفيه والتشويه والتخريب على عقول الشباب فيغرسوا في عقولهم وأذهانهم أن الديمقراطية هي سبب مآسي الشعوب!.. غير مدركين، نتيجة لجهلهم وسطحية تفكيرهم، أن المنظومة الديمقراطية هي التي خلقت للغرب حضارة وعلما وتقنية وتطورا، وهي التي أوصلته إلى هذه المكانة المرموقة في كل مجالات ومناحي الحياة.
الغريب هو أن تتورط بعض الفضائيات العربية مع هذه النماذج من (الوعاظ) الذين لا يفرقون بين الديمقراطية والبطيخ، فيظنون أن هجومهم على الديمقراطية الغربية هو أفضل مدخل إلى قلوب الناس، مستغلين شحنة الغضب والتوتر التي تسود العلاقات بيننا وبين الغرب نتيجة لسياسات خاطئة من الطرفين. فهؤلاء الذين يطلون علينا عبر شاشات الفضائيات تحت مسميات دينية ما أنزل الله بها من سلطان ليشتموا الديمقراطية، لا يسعفهم تفكيرهم بأن الديمقراطية هي البلسم الشافي والعلاج المتكامل لكل المصائب التي تعاني منها الشعوب المطحونة تحت وطأة الأنظمة الديكتاتورية والأنظمة الشمولية وتلك التي لا تعترف بأي نوع من المشاركات السياسية ولا تعترف بأي حق للفرد في التعبير عن الرأي وحرية الكتابة والقراءة بل وحتى حرية التفكير!
والذين يلعنون الديمقراطية لأن الدعوة لتطبيقها جاءت من الولايات المتحدة أو من الرئيس الأميركي أو وزير خارجيته، يفكرون بأفق أضيق من خرم الإبرة، ولا يدركون خطورة أن تغرس في أذهان الشاب العربي المسلم أن (الديمقراطية هي رجس من عمل الشيطان!)، كما قالها أحدهم بجهالة في برنامج حواري... وهؤلاء الذين يلعنون الديمقراطية عليهم أن يدركوا أنه لو لا الديمقراطية لما وصل الغرب إلى ما وصل إليه من تحديث وتطور وتقدم علمي، وأن أحوال العالم العربي ما كانت ستتدهور أسفل السافلين لو أنه استفاد من الغرب وطبق الديمقراطية التي لا تتعارض أبدا مع مبدأ الشورى في الإسلام. فليس كل ما يأتينا من الغرب هو رجس من عمل الشيطان.