أفصحت نتائج استطلاعات الرأي التي نشرت في إسرائيل مع مطلع هذا الأسبوع عن صحة ما سبق وتوقعناه، من أن تؤدي العملية التي وقعت في نتانيا وأسفرت عن مصرع خمسة إسرائيليين إلى إحداث تحول في أجندة الانتخابات الإسرائيلية وقضاياها· لقد أعادت هذه العملية القضية الأمنية إلى صدارة القضايا التي يهتم بها جمهور الناخبين ونخبة السياسيين على حساب القضيتين اللتين احتلتا مركز المقدمة من قبل، وهما قضية محاربة الفقر والبطالة والفساد، وقضية تحقيق التسوية السلمية مع الفلسطينيين· ومع تصدر قضية الأمن لقائمة الاهتمامات كان من الطبيعي أن يتراجع مستوى شعبية حزب العمل وزعيمه النقابي العمالي واليهودي الشرقي عمير بيريتس المشغول أساساً بقضية العمل الاقتصادي الاجتماعي والمتهــم من خصومــه بالافتقار إلــى الخبرة الأمنية فــي الجيش·
وكان من الطبيعي أيضاً أن يستفيد حزب ليكود بسياساته المتطرفة إزاء القضية الفلسطينية من الوضع الجديد نتيجة لمزاعم نتنياهو القائلة إن سياسة شارون للانسحاب من غزة هي سياسة خطرة على أمن إسرائيل وستؤدي إلى زيادة العمليات· إن أرقام ونسب المؤيدين لحزب العمل قد تراجعت بشكل ملحوظ في الاستطلاعات الجديدة قياساً على نتائج الاستطلاعات التي أجريت قبل عملية نتانيا· فلقد كانت الاستطلاعات السابقة تمنحه ثمانية وعشرين مقعداً في الكنيست في حين دل آخر استطلاع سابق على أن حظ ليكود بزعامة نتنياهو قد تدهور ليصبح عشرة مقاعد· وكانت دلالة النتائج واضحة على تقدم القضية الاجتماعية الاقتصادية بالنسبة للجمهور وعلى تراجع اهتمام الجمهور بشعارات ليكود حول أرض إسرائيل الكبرى وحول خدمة هذه الشعارات لأمن المواطنين·
إن الاستطلاعات الأخيرة تشير بعد صعود القضية الأمنية إلى تراجع مقاعد حزب العمل لتصبح اثنين وعشرين مقعداً فقط، في حين ارتفعت مقاعد ليكود لتصبح ثلاثة عشر مقعداً· ولقد وقعت الجائزة في جيب شارون حيث ارتفع رصيد مقاعده في الاستطلاعات الأخيرة بعد عملية نتانيا إلى تسعة وثلاثين مقعداً بعد أن كان قبلها أربعة وثلاثين فقط، وهو ما يعني أن مزيداً من الجماهير تثق في قدراته على معالجة القضية الأمنية جنباً إلى جنب مع عملية التسوية السياسية بما يحقق أهدافها في الأمن والسلام والحصول على ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة·
ولقد أظهر استطلاع للرأي حول ثقة الجمهور في صفات الزعماء المتنافسين في الانتخابات ما يؤيد هذا التوجه، فبينت النتائج أن 70% يمنحون ثقتهم لشارون باعتباره الزعيم القادر على مواجهة المشكلات والتحديات الأمنية في حين منح أحد عشر في المئة فقط ثقتهم لعمير بيريتس·
لقد أدرك زعيم حزب العمل السبب في انخفاض أسهمه الانتخابية، ومن هنا أطلق تصريحات يحمل فيها حركة الجهاد الإسلامي التي نفذت عملية ناتانيا المسؤولية عن تراجع حظوظه الانتخابية، وكذلك حمل تصريحات الرئيس الإيراني بعضاً من هذه المسؤولية· إن مشكلة عمير بيريتس تكمــن -فضلاً عن كونه يهودياً شرقياً- في أنه كان قد أطلق تصريحات سابقة وضع فيها قضية مكافحة الفقر والبطالة في المقدمة، وهاجم فيها جنرالات السياسة وشكك في صدقهم عندما يضخمون المشكلة الأمنية· ومن هنا فإن تعرض العمق الإسرائيلي للهجمات كان لابد أن يضعف موقفه ويظهره بمظهر رجل العمل النقابي والاجتماعي الذي لا يفهم جيدا في شؤون الأمن والعلاقة مع الفلسطينيين·
إنني ما زلت أعتقد من موقف المراقب للساحة الإسرائيلية، أن آثار عملية ناتانيا يمكن أن تكون مؤقتة إذا لم تتكرر مثل هذه العمليات حتى موعد الانتخابات في الثامن والعشرين من مارس القادم، أما إذا تكــررت فلــن تؤدي فحسب إلى مزيـد من تراجع بيريتس بل ويمكن أن تؤدي أيضــاً إلى إضعــاف شارون نفســـه ومشروعــه للتسويــة، ليصبح الرابــح بنيامين نتنياهو الذي سبق وفاز رغم تشدده عــام 1996 بســبب سلسلــة عمليات أطاحت بغريمـه شمعــون بيـريز في ذلــك الوقــت رغــم تقدم الأخير فــي الاستطلاعـات·