منذ بواكير النهضة العربية الحديثة يتداول الفكر العربي مجموعة من المفاهيم كالإصلاح الديني، والإسلام كدين للدولة، والدولة الإسلامية، والحاكمية اللاهوتية، والإسلام هو الحل وغيرها· وفي سياق ذلك نشأت حوارات ومجادلات ومناظرات حول العلاقة بين الدين والدولة والدين والمجتمع· ومن ثمار هذا ما تبلور خصوصاً على أيدي ثلة من المفكرين الإسلاميين، يبرز منهم عبدالحميد الزهراوي (سوريا) وعلي عبدالرازق (مصر) وحسن البنا (مصر)· أما أولهم وثانيهم فقد انتهيا إلى أن السلطة -في المنظور الإسلامي الحاسم- تجد مرجعيتها في المجتمع والعلاقات الإنسانية الناظمة له، في حين انتهى ثالثهم إلى القول بالحاكمية الإلهية بمثابتها المرجعية الحاسمة للسلطة (السياسية والدولتيّة)·
وقد ظلت الحوارات والمجادلات والمناظرات المذكورة فاعلة ومثيرة في أوساط الفكر الإسلامي وفي أوساط من الفكر القومي والليبرالي والماركسي، آخذة طابع الفكر العمومي و''المنزوع الأسنان''، أي الذي لم يرتفع إلى مستوى السلطة والفعل السلطوي، إلا في حالات محددة وغير طارئة· بيد أن هدف الوصول إلى السلطة ظل قائماً في استراتيجيات تلك الأوساط بمختلف توجهاتها الإيديولوجية والمعرفية· وبتعبير أكثر وضوحاً، لم يصل إلى الحكم حزبٌ إسلامي أو آخر ماركسي أو ثالث قومي إلا في حالتي سوريا- العراق واليمن الجنوبي (الجمهورية الديمقراطية الشعبية سابقاً)، إضافة إلى حالة السودان· وربما في هذه الحالات لم نكن نواجه تلك الهويات السياسية صراحة، بقدر ما كانت تفصح عن نفسها مواربة عبر القبيلة أو الطائفة أو المذهبية وغيرها· والآن ومع النتائج الملفتة، التي حققها ''الإخوان المسلمون'' في الانتخابات النيابية والتي قد تجعلهم قوة فاعلة في البرلمان القادم، تعود الحوارات والمجادلات والمناظرات بين الأطراف، ولكن هذه المرة بكثير من القلق والترقّب والتساؤل المفعم بالهموم السلطوية السياسية والاقتصادية والإيديولوجية والمذهبية الدينية وغيرها·
وقد يكون وراء تلك الحال الجديدة تساؤل مُلّح فيما إذا كان ''الإخـوان المسلمون'' في مصر قادرين -إذا وصلوا إلى سلطة القرار- على مواجهة التحديات المعقدة والمركبة في مصر والمتحدرة من كل الحقول والقطاعات المجتمعية، مواجهة بناءة، دون صراعات دينية وسياسية تقود البلد إلى مزيد من المآزق الدينية (مسلمون أقباط) والاقتصادية (تعاظم التفاوت بين الأثرياء والفقراء) والسياسية (محاولات الاستفراد بالسلطة حزبياً أو عائلياً وغيره)· والحق، أنها فرصة مهمة أن تقوم تيارات الإسلام السياسي الراهنة بقراءة معمقة ونقدية لمنظوماتها المفاهيمية النظرية والسياسية والإيديولوجية على نحوٍ يمكنها من الاستجابة للاستحقاقات الكبرى، التي تقف على مسافة ضئيلة منها· ويبدو أن المرجعية الإيديولوجية الاعتقادية للقائمين على تلك التيارات تكمن في الإسلام نفسه، مما يعبّد الطريق أمامهم للانخراط في حوار قد يكون فريداً من نوعه، إذ يقوم على الإقرار بالتعددية والعقلانية والنقدية، مع وضع الوطن والدفاع عن سيادته وكرامته هدفاً مركزياً وناظماً لهم جميعاً· أما الخلافات والاختلافات التي قد تنشأ بينهم، فإن حلها يقوم على الإقرار بها أولاً، وعلى الإجماع والاتفاق على النظر إليها من حيث هي خلافات واختلافات مفتوحة وربما مشكلة ومعلّقة تنتظر الأجوبة الجامعة ثانياً·
وإذا كانت التجربة الانتخابية المصرية قد أسهمت، بعمق، في إنتاج وتطوير تلك الحال، فإن هذه التجربة ذاتها تطرح على منْ خاضها ونجح فيها من ''الإخوان'' المسلمين، سؤالاً كبيراً نلاحظ أنه يمس الجميع من القوى السياسية والأوساط الثقافية وجموع الشعب المصري (والشعوب العربية)، وهو التالي: كيف يمكن أن تتحول ثمار تلك التجربة إلى ثمار واعدة لهؤلاء جميعاً، كيف يمكن أن تنقلب تلك الثمار، التي حققتها مجموعة سياسية (مع مجموعات أخرى)، من نصر حزبي أو نصر أحزابي إلى نصر للوطن الصغير والكبير؟
وإذا كان لنا أن نضبط بعض ما ينبغي أن يتجاوزه المعنيون في مصر، أمّ الدنيا، فإن المسائل التالية لابد أن تكون في مقدمتها: البحث عما يجمع ويوحد والإجماع عليه والعمل بمقتضاه، جعْل الحوار العقلاني النقدي بين الجميع منطلِقاً من مشكلات محددة، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً··· إلخ، الإقلاع من مرجعية عمومية مشتركة بين طوائف وفئات ومذاهب وأديان مصر، التأكيد الذي يحتاج تأسيساً دستورياً، على مبدأ التداول السلمي للسلطة، وبهذا وبغيره قد نصل إلى برّ الأمان·