هل الأمة الإسلامية بحاجة إلى إعلان بيان بانتهاء حالة الحرب أو المواجهة مع الغرب؟ أعتقد ذلك· ولربما خطرت الفكرة في ذهن أحد قادة العالم الإسلامي الذين اجتمعوا بين جنبات البيت الحرام الأسبوع الماضي في قمتهم الاستثنائية، أو أحد العلماء والمفكرين المسلمين الذين سبقوهم بالاجتماع، وأعدوا أفكار قمة مكة المكرمة، ولكنه أحجم عن إعلانها لأن حالة التوجس السائدة لن تسمح بطرح فكرة كهذه، فنحن في زمن لا تزال فيه صور من المواجهة مع الغرب وبعضها دموي مؤلم· ويزيد في صعوبة مهمة العقلاء من المسلمين أن قوى اليمين المحافظ لا تزال هي المهيمنة في دوائر الحكم في روما الغرب الجديدة، وأقصد واشنطن وتتداخل أفكار هؤلاء مع أفكار أنصار نظرية صراع الحضارات في صيغتها الغربية أو المسيحية·
ولكن ريثما يرتب الغرب المسيحي أوراقه ويحدد اختياراته، فإن الواقع والأرقام يقولان إنه لنا مصلحة في إعلان انتهاء حالة المواجهة مع الغرب، والتحول إلى ترويج مفهوم التعاون والسلم الدولي؛ فالدول الإسلامية التي تخلت عن مفاهيم المواجهة السابقة وتفاعلت وانفتحت له وعليه، هي الدول التي حققت قدراً أفضل من الرخاء لشعوبها وشيئاً من الحكم الرشيد في دولها، والمصطلح الأخير الذي استخدمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في كلمته الافتتاحية للقمة الإسلامية الأخيرة، واستفاض في شرحه سمو وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مؤتمر صحفي لاحق، هو أذكى وأهم ما جاء في القمة، وما اهتمام القيادة السعودية به إلا إشارة إلى إدراكها بأن في تحقيق الحكم الرشيد 3 أرباع حل المعضلة الإسلامية المتمثلة في الفقر والتخلف والضعف والاستبداد· إنه من الممتع أن أستعيد كلمات الملك عبدالله وهو يخاطب القادة ويقول: ''إني أتطلع إلى أمة إسلامية موحدة، وأتطلع إلى حكم مسلم رشيد يقضي على الظلم والقهر، وأتطلع إلى تنمية مسلمة شاملة تقضي على العوز والفقر، وأتطلع إلى انتشار وسطية سمحة تمثل سماحة الإسلام، وأتطلع إلى مخترعين مسلمين وصناعيين مسلمين وتقنية إسلامية متقدمة''· منذ دورة القرن الماضي وبدء عصر النهضة الأخير والمفكرون المسلمون يتطلعون مع العاهل السعودي إلى نفس الرؤية، وكأن الذي يتحدث هو جمال الدين الأفغاني أو الأمام محمد عبده أو رفاعة رافع الطهطاوي الذين لامسوا أهمية ''الحكم الرشيد'' في تحقيق النهضة في شتى كتاباتهم ومساعيهم الإصلاحية·
لم يتحقق شيء كثير يذكر في تطلعات الإصلاحيين طوال القرن الماضي، بل مزيد من التخلف والاستبداد، ولكن وسط هذه الصورة الحالكة توجد ومضات خفيفة، لنأخذ ماليزيا والسعودية كنموذجين -ولا ينفي ذلك وجود ومضات مماثلة في دول مثل الأردن ودول الخليج- فجل إنجازات هذين البلدين تحققت بفضل التعاون مع الغرب· ماليزيا الدولة الصناعية الأولى في العالم الإسلامي، فتحت أسواقها واقتصادها للشركات الغربية و''الغربية'' هنا تتسع لليابان وكوريا وهما ''غرب'' سياسة واقتصاداً، ''شرق'' جغرافيةً وثقافةً وروحاً·
ومثلها السعودية التي تحولت خلال عقدين أو ثلاثة من دولة متخلفة إلى دولة ذات قوة اقتصادية وصناعية مؤثرة في محيطها، وقد اختصرت عقوداً أطول بالانفتاح والتعاون تحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية، وكثيراً ما نتجاهل حقيقة أنه كانت للولايات المتحدة مدينة سعودية أميركية في شرقها تخرج منها أجيال تقود اليوم عملية التحديث في البلاد ومعهم مئات ألوف آخرين من السعوديين الذين تعلموا في أميركا بعد ما أصبحت جامعاتها قبلتهم لتلقي العلم وتشرب الحداثة منذ خمسينيات القرن الماضي، والنتيجة كانت هذا الرخاء النسبي والبنية الصناعية والاقتصادية القوية·
ولا يعني الانفتاح بحال من الأحوال ''التبعية'' ذلك أنه لم يكن كاملاً مع الغرب خاصة على الصعيد السياسي، ففي الحالة الماليزية شكل رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد حالة فريدة، عندما ناكف الغرب سياسياً رافضاً التبعية له منتقداً سياساته بل حتى قيمه، ولكنه انفتح على شركاته واستثماراته وجلب مصانعه التي اتخذت من ماليزيا وعمالتها الرخيصة مقصداً فجلب خيراً اقتصادياً لشعبه وأهم منه الخبرة والتقنية التي يشكو عالمنا الإسلامي من نقص حاد فيها· وبفضل هذه الخبرة المتعلمة من الغرب استطاعت ماليزيا أن تطور صناعاتها المحلية رافضة أن تكون مجرد عمالة مستأجرة· حصل الأمر نفسه في المملكة، فمقابل الانفتاح الاقتصادي، ظلت المملكة تختلف سياسياً مع الولايات المتحدة في أكثر من قضية أبرزها فلسطين، ويكفي أن الرياض هي العاصمة الوحيدة التي طردت يوماً السفير الأميركي لديها وأعطته مهلة أقل من 24 ساعة لمغادرة البلاد، ومرة أخرى لم يمنع ذلك من استمرار التعاون الاقتصادي والعلمي بين البلدين، ولكن على صعيد الانفتاح الثقافي تمنّعت المملكة، فظل الأميركي منعزلا في مجتمعه ''المؤقت'' الذي شكله في السعودية· لم تكن عملية رفض حاد وإنما ''تمايز'' استمرت لعدة سنوات بنجاح، ولم تنفجر في وجهنا إلا مؤخراً في حالة الهجمات الإرهابية على المجمعات السك