تتجه أنظار العرب إلى قضاياهم الداخلية اليوم، وينصرف اهتمامهم إليها وإلى ارتباطهم ببلدانهم أكثر من غيرها· وعلى الرغم من هواجس البطالة والعمل المسيطرة على الشباب العرب، إلا أنهم يتفاءلون بمستقبل أفضل لهم ولبلدانهم· تلك هي بعض نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته ''مؤسسة زغبي العالمية لاستطلاعات الرأي'' في شهر أكتوبر الماضي، برعاية ''القيادات العربية الشابة'' في دبي· وشملت استطلاعات الرأي هذه، 3900 شاب عربي من كل المغرب ومصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، والأردن ولبنان· وأظهرت هذه النتائج تحولات كبيرة جارية في الرأي العام العربي· من ذلك مثلاً، جاءت الإجابات متسلسلة ومرتبة على النحو التالي من حيث أهميتها، على السؤال حول ما هي أهم القضايا التي تهم المنطقة العربية اليوم: توفير الوظائف وتوسيع فرص العمل، تحسين مستوى خدمات الرعاية الصحية، مكافحة الفساد والمحسوبية، تحسين النظام التعليمي، ثم أخيراً مكافحة التطرف والإرهاب·
ولعل التحول الأكبر الذي أشارت إليه استطلاعات الرأي هذه، الأهمية التي أعطيت لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني· ففي استطلاع شبيه أجرته المؤسسة في عام ،2002 وكان القمع الإسرائيلي الوحشي للفلسطينيين على أشده وقتها، احتل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني المرتبة الثانية من حيث الأهمية في الرأي العام العربي، في حين تراجعت اليوم القضية الفلسطينية إلى المرتبة السابعة من حيث الأهمية في هذا الاستطلاع الأخير·
يشار إلى أن قضية البطالة وحصول الشباب على العمل، احتلت المركز الأول في اهتمامات الشباب العربي في كل من المغرب ومصر ولبنان والأردن، مع ملاحظة أن أغلبيات مقدرة من بينهم تقول إن مستقبل التوظيف يبدو قاتماً في بلدانها· وبالنتيجة فقد أعرب الكثيرون عن رغبتهم وعزمهم على مغادرة بلدانهم، للحصول على فرص أفضل للتوظيف في الدول الأخرى· وبالمقارنة فقد انفرد الشباب السعوديون والإماراتيون وحدهم بالتفاؤل والأمل في الحصول على وظيفة داخل بلدانهم، مما لا يستدعي مغادرتهم لدولهم بحثاً عن عمل· لكن وعلى رغم هذه الهواجس، فقد أعرب معظم الشباب العرب، بهامش يزيد على نسبة اثنين لواحد، في الدول العربية الست التي شملها استطلاع الرأي، عن أن حياتهم اليوم، أفضل بكثير مما كانت عليه حياة آبائهم، وأنهم واثقون من إيجابية مستقبلهم· وهنا نرى تناقضاً بالطبع بين التفاؤل والتشاؤم في اتجاهات الرأي العام العربي، غير أنه تناقض يمكن فهمه كما يلي: هناك مصاعب اقتصادية كبيرة تواجهها البلدان العربية، إلا أن المستقبل يعد ويحمل الكثير من احتمالات الحل لها، مما يخفف من وطأتها وحدتها الراهنة·
ومن التحولات الملفتة للنظر في الرأي العام العربي، ميل كثير من الشباب إلى تعريف أنفسهم بالرجوع إلى بلدانهم، بدلاً من الميل السابق إلى تعريف الذات بالانتماء إلى العروبة أو الإسلام عموماً· يجدر بالذكر أن هذا الميل الجديد لا يعبر عن إنكار لأي من الانتماءين الكبيرين السابقين، بقدر ما يعبر عن ربط الذات بالانتماء الوطني الجغرافي الأضيق، مما يعطي الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني في كل دولة من الدول العربية، فرصة أكبر لتعبئة مواطنيها باتجاه الجهود الرامية لحل المشكلات وتحسين مستوى حياة المجتمعات في هذه الدول·
ومما يسترعي الملاحظة والاهتمام بما طرأ من تحولات في الرأي العام العربي، اتجاه أغلبيات مقدرة في كل من الدول الست التي شملها الاستطلاع، للموافقة على عمل المرأة ومساهمتها في الحياة العامة، سواء كان ذلك من أجل دعم أسرتها ومساعدتها اقتصادياً، أو بهدف الحصول على وظيفة مرضية مجزية، أو لمجرد رغبة المرأة في العمل والمشاركة في الحياة العامة· وختاماً يمكن القول إن أهم ما خلصت إليه استطلاعات الرأي هذه، تصوير عالم عربي، يوجه فيه المواطنون أنظارهم إلى أهم القضايا والجوانب التي تحتاج إلى حل وتحسين في حياتهم اليومية· وفي هذا ما يلفت نظر الحكومات والأنظمة وصناع القرار، وأيضاً مؤسسات المجتمع المدني·