قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، بمناسبة العيد الرابع والثلاثين لقيام دولة الاتحاد، ببدء تفعيل دور المجلس الوطني عبر انتخاب نصف أعضائه من مجالس كل إمارة في الإمارات السبع، وتعيين النصف الآخر، قرار حكيم جاء في وقته وبداية طيبة للعملية الديمقراطية في دولة الإمارات الشقيقة· إلا أن ما نحتاج إليه اليوم هو طرح تساؤلات وضخ حوارات سياسية جادة حول طبيعة المشاركة السياسية القادمة بعيداً عن الإطراء والمديح أكثر من اللازم·
وحتى نكون أكثر واقعية وعقلانية علينا أن نطرح تساؤلات بديهية وهي: ما هي صلاحيات المجلس الجديد؟ هل هي تشريعية-رقابية مثل بقية برلمانات العالم، أم سيكون دوره مقصوراً على إبداء المشورة فقط؟ التساؤل الثاني هل تعيين نصف أعضاء المجلس إجراء مؤقت أم دائم؟ وما هي الفترة الزمنية لقيامه؟ وهل ستكون هنالك مشاركة نسائية أم أن الانتخابات مقصورة على الرجال فقط؟
مطلوب منا أن لا نركز على انتخاب نصف المجلس وتعيين نصفه الآخر، المطلوب هو طرح تساؤلات حول طبيعة الديمقراطية القادمة، فالديمقراطية ليست إجراء انتخابات حرة للشعب بل ترتبط أكثر بطبيعة الديمقراطية وقواعدها وأساليب ممارستها· فنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة في دولة الإمارات أو فشلها تحددها عدة معطيات مهمة، أهمها مدى قبول أو تأهيل الشعب للديمقراطية· التجارب الإنسانية الأخرى مع الديمقراطية خصوصاً في الدول المتقدمة، أرست مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة ومبدأ تكافؤ الفرص للجميع واحترام القانون··· ليس في بلدانهم فقط بل على مستوى دول العالم·
فالمبدأ الأساسي للحكم على مدى نجاح التجربة الإماراتية القادمة، يعتمد اعتماداً كلياً على مدى إيمان النخبة السياسية والشعب بمفهوم الديمقراطية والمشاركة السياسية واحترام القانون والحريات، وترسيخهم لمبادئ العدالة والمساواة في المجتمع· وبما أننا نتحدث عن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني فإن التجارب الانتخابية أو البرلمانية في الوطن العربي فاشلة ومحبطة لكل تطلعات الشعوب العربية· فإذا ما قمنا بدراسة اجتماعية لبنية مؤسسات المجتمع المدني، من أحزاب وحركات ونقابات واتحادات وغيرها في الوطن العربي بشكل عام، يتبين لنا أن نسيجها محكوم بروابط طائفية وعائلية وقبلية قبل الروابط الوطنية، ومعنى ذلك ببساطة هو أن الانتخابات القادمة في الإمارات ربما تبرز على السطح العصبيات القديمة المتمثلة بالولاء للطائفة والقبيلة والعائلة قبل الولاء للدولة· والحديث عن أن المجلس القادم سيكون ترسيخاً للوحدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، يحتاج إلى توضيح أكثر·
فالتجربة الديمقراطية في الكويت، والتي بدأت في الثلاثينيات من القرن الماضي، كما مرت عليها خمسة وأربعون عاماً منذ بداية الدستور، أفرزت لنا برلماناً ضعيفاً ليس مؤهلاً لقيادة البلد نحو ثورة تشريعية قوية، والسبب أن الوعي السياسي لدى الغالبية من المواطنين لا يزال متدنياً، والناخب الكويتي يرجح العلاقات الشخصية والقرابة والقبيلة والطائفة كمعيار لإعطاء صوته الانتخابي، بدلاً من الكفاءة والعلم والإدارة· وأخيراً على الإخوة في دولة الإمارات دراسة تجارب الدول الخليجية مع الديمقراطية دراسة متأنية، لمعرفة أهم السلبيات التي واكبت تطبيق الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية لتحاشيها وتفاديها· فالمشكلة لا تتعلق بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني، بقدر ما هي طبيعة الممارسة السياسية في المجتمع الإماراتي، بمعنى هل تسوده القيم الديمقراطية المطلوبة لنجاح التجربة الوليدة مع الديمقراطية؟