في تزامن لافت، قد يعكس تقاربا آنيا وعابرا في قلب الصدفة، وقد يشير إلى ترابط موضوعي ذي دلالة سياسية في نظر البعض··· استؤنفت يوم الخميس الماضي أعمال قمة دول منظمة المؤتمر الإسلامي الاستثنائية في مكة المكرمة لتصدر بيانها الختامي عن أوضاع الأمة وتحديات الحقبة الراهنة من تاريخها، وفي اليوم ذاته كان مؤتمر الدول الموقعة على اتفاقية جنيف يصدر من سويسرا قراره بفتح باب العضوية الكاملة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر أمام إسرائيل التي حاولت تحقيق ذلك طوال الـ56 عاما الماضية دون جدوى! وفي غمرة اتصالات الضغوط والتجاذبات التي شهدها مؤتمر جنيف خلال أيام انعقاده الثلاثة، بدا جليا أن الجانب العربي والإسلامي فقد انسجامه الداخلي وتخلت وفوده عن الحد الأدنى من تنسيق مواقفها والقدرة على تجميع الأصوات، فكسبت إسرائيل موافقة 98 دولة على اعتماد نجمة داوود الحمراء شعارا إضافيا لمنظمة الصليب الأحمر الدولي، إلى جانب الصليب والهلال الأحمرين، بينما لم يتجاوز عدد الدول المعترضة 27 دولة· وبدا الرفض السوري لعملية تمرير عضوية إسرائيل كما لو كان محاولة معزولة وعملا يائسا، وأعلن ممثل سوريا، بوساطة وضغوط من الدولة المضيفة سويسرا، عن استعداده للموافقة على اعتماد شعار نجمة داوود الحمراء مقابل تمكين الهلال الأحمر السوري من إيصال المساعدات الإنسانية إلى هضبة الجولان المحتلة· أما جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني فخرجت مبكرا من ساحة المعركة، ووقَّعت يوم الاثنين الماضي على اتفاق للاعتراف المتبادل مع جمعية نجمة داوود للمساعدة على تسهيل انضمام الأخيرة إلى حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية·
لكن ما الأهمية التي تمثلها عضوية اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، بالنسبة لإسرائيل؟ وماذا يعني اعتماد الشارة الإسرائيلية كرمز للحماية أو التدخل الإنساني! وقبل ذلك ما هي اللجنة الدولية للصليب الأحمر؟
تمثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر منظمة فريدة في نشأتها وأهدافها ومثلها؛ وهي من حيث وضعها القانوني تعد هيئة دولية محايدة ومستقلة وغير منحازة· وقد أسندت إليها الدول مهمة حماية ومساعدة ضحايا الحروب في إطار اتفاقيات جنيف الأربع لعام ،1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام ·1977 أما عن نشأة اللجنة وتاريخها، فيعودان إلى عام 1863 عندما تشكلت هيئة خيرية تدعى ''جمعية جنيف للمنفعة العامة''، بناء على أفكار وجهود المواطن السويسري هنري دونان الذي دعا في كتابه ''تذكار سولفرينو''، إلى تشكيل جمعيات إغاثة لرعاية الجرحى وقت الحروب، والى حماية المسعفين والمتطوعين بموجب اتفاق دولي· وتنفيذا لأفكاره عقد في جنيف عام 1864 مؤتمر دولي أقر تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واعتمد الصليب الأحمر على خلفية بيضاء، أي العلم السويسري معكوسا، كشارة مميزة للخدمات الطبية في الجيوش، كما اعتمد المؤتمر معاهدة ''اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان'' والتي غدت أولى معاهدات القانون الإنساني قبل أن تكمله معاهدات جنيف وبروتوكولاتها اللاحقة حول معاملة الأسرى والمدنيين· وللمنظمة في وقتها الراهن بعثات تنشط في 80 دولة، ويعمل معها نحو 11 ألف موظف، كما يعمل في مقرها بجنيف في سويسرا حوالي 800 شخص·
أما شارة الهلال الأحمر فقد قررت استخدامها الدولة العثمانية أثناء حربها مع روسيا في الفترة ما بين عامي 1876 و،1878 بدلا من الصليب الأحمر، فحذت حذوها العديد من الدول، وتم الاعتراف به رسميا عام ،1919 إضافة إلى شارة الشمس والأسد بطلب من إيران قبل أن تجمد استخدامهما عام ·1980 وتأسس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر عام 1919 على أساس مبادئ الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهو يضم في عضويته حاليا 181 جمعية تستخدم الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر لتعريف نفسها·
وعلى إثر إضافة بروتوكول جديد إلى اتفاقيات جنيف، ينشئ شارة إضافية ثالثة إلى جانب شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر، دعت اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الخميس الماضي، إلى مؤتمر يعقد أواسط عام 2006 بهدف تعديل النظام الأساسي للحركة على نحو يأخذ في الاعتبار الشارة الجديدة؛ وهي مربع أحمر ذو خلفية بيضاء يرتكز على إحدى زواياه، ويطلق عليه اختصارا ''البلورة الحمراء''· وبموجب البروتوكول الجديد، يحق للجمعية الإسرائيلية أن تضع شعارها الأصلي، أي نجمة داوود الحمراء، داخل البلورة الحمراء، لكنها لن تُعتمد كرمز للحماية خارج ''أراضيها''!
وسبقت البروتوكول الأخير خطوات ومواقف مهدت للاعتراف بجمعية ''نجمة داوود الحمراء'' الإسرائيلية، فبعد أن تم رفض قبول عضويتها في الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر عام ،1949 بسبب رفضها اعتماد شعار الصليب الأحمر والهلال الأحمر، منحت في عام 1987 صفة عضو مراقب في الاتحاد، وتقرر في عام 2000 استحداث شارة إضافية ''محايدة'' يمكن لجمعية نجمة داوود الحمراء أن تستخدمها إلى ج