إن التعداد السكاني الذي انطلقت مرحلته الأخيرة في مختلف إمارات الدولة هذا الأسبوع، يمثل أهم وأشمل الطرق والوسائل لبناء قاعدة بيانات عريضة حول خصائص السكان الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها أساس التخطيط السليم للتنمية الشاملة· فالسكان هم محور التنمية وهدفها ووسيلتها· وتتميز العلاقة بين المسألة السكانية والتنمية بكونها علاقة تبادلية، فالمتغيرات السكانية تؤثر بصورة مباشرة في حركة التنمية بمختلف أشكالها، وفي المقابل تؤثر التنمية بمختلف أبعادها في المتغيرات الديموغرافية· وفي ظل غياب سياسات سكانية واضحة المعالم، باستثناء وجود سياسات سكانية تنموية جزئية في مجالات الصحة والتعليم، إضافة إلى جهود مقدّرة للتعامل مع اختلال التركيبة السكانية، التي تعد من أبرز المشكلات التي تعترض برامج التنمية، لا تزال قضية إدماج السياسات السكانية في خطط التنمية الشاملة أحد أبرز تحديات المرحلة، بل إن إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية، الذي أصبح الخطر الأكبر الذي يهدد قواعد الأمن القومي بمفهومه الشامل، يحتاج إلى تخطيط سكاني منهجي للتعاطي معه· ومن خلال التوسع الاقتصادي الكبير الذي تشهده دولة الإمارات، تتولد زيادة مماثلة في الطلب على العمالة الوافدة، حيث يضاف إلى سكان الدولة ربع مليون وافد سنويا تقريبا، في معادلة صعبة تستوجب الربط بين المتغيرين ومعالجة القضايا السكانية والاقتصادية من خلال استراتيجية تنموية موحدة تستند إلى سياسة سكانية واضحة المعالم·
إن البيانات الإحصائية التي يوفرها التعداد حول السكان والمنشآت الاجتماعية تشكل أهمية كبرى في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، خاصة في ظل مجتمع لا تلبي موارده البشرية متطلبات خطط التنمية فيه، بما أحدث ندرة في القوة العاملة، تسببت بدورها في تيارات متلاحقة من الهجرة الوافدة إليه شكلت تأثيرا كبيرا في تركيبته وخصائصه· كما أن وجود قاعدة إحصائية دقيقة حول نمو السكان وتركيبتهم وحركتهم ونوعيتهم وخصائصهم الأخرى يشكل أهمية كبرى لدى القطاع الخاص الذي تعوّل عليه الدولة كثيرا في تحريك دفة التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة، بينما تحتاج المؤسسات العامة والخاصة إلى البيانات الإحصائية التي يوفرها التعداد السكاني في إجراء الدراسات أو البحوث ذات العلاقة بالمجتمع، كما أن وجود مثل هذه القاعدة أمر ذو أهمية بالنسبة إلى العلاقات التجارية والاستثمارات الأجنبية، التي تتخذ قراراتها وفقا لمعطيات واقعية وإحصاءات دقيقة وشاملة· ودولة الإمارات بإيقاعها التنموي المتسارع حاليا في المجالات كلها تتطلب ضرورة ملحّة لتنمية وتطوير قطاع المعلوماتية والإحصاءات، باعتباره القطاع الحيوي الذي يكفل تعزيز قدرات اتخاذ القرار السليم ورفد خطط وبرامج التنمية والتطوير الشامل، كما أن هناك ضرورة لإدماج البنى الإحصائية في الاستراتيجيات الإنمائية الوطنية، لتكون بمنزلة الأساس الذي يعتمد عليه في رسم السياسات، بالإضافة إلى تعزيز المقدرة على إنتاج وتحليل واستخدام الإحصاءات والبيانات، والسعي لإيجاد حوار فاعل بين المنتجين لهذه المعلومات والمستخدمين لها، وتحسين التعاون بين جميع الشركاء الذين يقومون بالأنشطة الإحصائية في الدولة، وكل ذلك بدوره يتطلب وضع هياكل وإجراءات جديدة لإدارة المعلومات بصورة فعالة، وتدبير موارد بشرية مواطنة لإدارتها·
عن نشرة أخبار الساعة
الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
www.ecssr.ac.ae