إنني أتفهم حجة هؤلاء الأميركيين، الذين لم يرغبوا في أن تقوم الولايات المتحدة بشن الحرب على العراق من الأساس، وهؤلاء الذين يريدون الانسحاب منه الآن، وذلك على الرغم من أنني اختلف مع الموقفين·
كما أنني أتفهم وأتفق مع الأميركيين وغيرهم ممن يعتقدون أن عمليات ما بعد الحرب في العراق قد أسيئت معالجتها·
وبصرف النظر عن ذلك، وبصرف النظر عن الطريقة التي ستنتهي بها الأمور، إلا أنني لا أفهم سبب الصعوبة التي يجدها بعض الناس في فهم رؤية الرئيس بوش لمستقبل العالم العربي·
إن هذه الرؤية تتمثل في إزالة تركة صدام حسين من العراق (وهو الحاكم الذي غزا الكويت، ودخل في حرب مع إيران، وذبح المئات بل وربما الآلاف من أبناء شعبه) وبعد ذلك وضع العراق على طريق الديمقراطية -وهو هدف يدل على أن أميركا دولة تنكر ذاتها في سبيل المجتمع الدولي، وقد يؤدي إلى إطلاق شرارة حركات تسعى إلى الديمقراطية في أماكن أخرى في العالم الإسلامي· وهو نفس الدافع الذي حرك أميركا لتحرير أوروبا من النازية والشرق الأقصى من الهيمنة العسكرية اليابانية في الحرب العالمية الثانية ومؤخرا تحرير أفغانستان من ''طالبان''·
ولكن إذا ما كانت أميركا تريد رعاية ونشر الديمقراطية حقاً، فإنه يتوجب عليها أن تقوم هي نفسها بممارستها، وأن يراها الآخرون وهي تفعل ذلك· وهذا هو السبب الذي يجعلني أقول إنه من المزعج أن نرى أفعالا يفترض أنه قد تم اتخاذها من أجل تحقيق هذا الهدف، ولكنها تؤدي في الحقيقة إلى التشكك فيه كما تعتبر مناقضة للمبادئ التي نعلن ليل نهار وقوفنا بجانبها· من بين هذه الأعمال، ما تناقلته وسائل الإعلام الأسبوع الماضي، عن محاولات لشراء الصحفيين العراقيين وصحفهم، بل والتلفزيون العراقي أيضا، بغرض نشر قصص خبرية مؤيدة للولايات المتحدة سواء في الحرب أو في جهود إعادة الإعمار· وكان البيت الأبيض حريصا على الرد بسرعة على تلك التقارير، وإعلان أنه مهتم جدا بشأنها· وبعد لقاء أولي مع مسؤولي البنتاجون قال السيناتور الجمهوري ''جون وامر'' رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ: ''إن ذلك البرنامج يمثل مشكلة خطيرة لأن الصحافة الحرة والمستقلة مسألة مهمة للغاية لعمل الديمقراطية''· والبنتاجون في الوقت الراهن يقوم بإجراء تحقيق حول هذا الأمر· أما الآن فإننا لا نعرف بالضبط دور العسكريين ودور الشركات الخاصة المشاركة والمتعاقدة من الباطن مع القوات المسلحة· كما لا نعرف الحد الذي تم به كشف تورط الحكومة في القصص الخبرية أو ما إذا كان قد تم إخفاؤه كلياً، كما لا ندري ما إذا كان ذلك برنامجا صدر تفويض بشأنه من أعلى المستويات، أم كان من اجتهادات موظفين متهورين أقل مرتبة·
لا خلاف على أن المتمردين العراقيين -وكما أعلن مصدر عسكري أميركي- لا يضيعون أية فرصة من أجل استغلال وسائل الإعلام العراقية، لنشر معلومات سلبية عن الولايات المتحدة والحكومة العراقية·
ولكن الكثير من المسؤولين الأميركيين والمنظمات الصحفية الأميركية خارج الحكومة، كانوا يعملون من أجل إنشاء وتدريب وتدعيم الصحافة الحرة في العراق والعالم الإسلامي· ومن بين المبادئ الأساسية التي كان يتم تعليمها لهؤلاء الصحافيين الأجانب، أنهم يجب ألا يتلقوا أموالا من الجهات المهتمة أو الحكومات، مقابل طبع مقالات أو دعايات حكومية منشورة في صورة أخبار عادية·
وهذا الاستغلال للصحافيين يعيد إلى أذهاننا تلك الذكريات السيئة التي تعود إلى فترة الحرب الباردة قبل الجلاسنوست والبيروسترويكا حيث كان ضباط الاستخبارات السوفيتية المتخفون في صورة موظفي سفارات يقومون بدفع مبالغ من الأموال لعدد من الصحفيين لكتابة قصص مزيفة لتشويه سمعة الولايات المتحدة والأميركيين· ومن بين الموضوعات الأخرى التي توفر ذخيرة إعلامية يمكن استخدامها في الإساءة إلى سمعة الولايات المتحدة موقف إدارة بوش من التعذيب· والصور المروعة التي بثت إلى مختلف أنحاء العالم والتي تصور المعاملة غير الإنسانية للمعتقلين العراقيين الذين تمت تغطية رؤوسهم، والتي مثلت ذخيرة دعائية استغلت القوى التي كانت تعلن أن أميركا تتظاهر بدعوة أو رسالة إيجابية عن الحريات وحقوق الإنسان في العالم ولكنها هي ذاتها لا تأبه بتلك الحريات والحقوق·
ولا يجدي نفعا القول هنا إن تلك الأفعال كانت عبارة عن عبث يتم في المناوبات الليلية، بواسطة فئة منحرفة من عناصر الوحدات الاحتياطية سيئة القيادة التي كانت تتمتع بقدر ضئيل من التدريب على كيفية المعاملة الصحيحة للمعتقلين· وفي الحقيقة أن تلك الصور السلبية حظيت بقوة جذب لدى النقاد تفوق ما تقدمه الإدارة الأميركية من اعتراضات ومزاعم بأنها تمقت التعذيب· ومما يتسبب في المزيد من التقويض لمثل تلك الاعتراضات، أن يقوم الرئيس الأميركي نفسه الآن باستخدام حق الفيتو ضد مشروع قانون يحظر التعذيب وهو ذلك الذي تم التصويت عليه بأغلبية 90 إلى 9 معارضين في مجلس الشيوخ الأميركي· وهذا المشروع كان ملحقا بمشروع إنفاق دفاعي ضخم يتم الدفاع عنه في الوقت