قبل بضع سنوات طلبت من طلابي الذين أدرسهم في الجامعة أن يقرؤوا أحد الكتب كجزء من المقرر الجامعي لتلك السنة· كان الكتاب لروبرت بوتنام تحت عنوان ''وحيدا ألعب البولينغ'' ويعبر بعمق عن النقاش الذي أثير في الفصل حول آثار الإنترنت على التفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الحديث· ولأن الكتاب يستفيض في التفاصيل التي تخدم الموضوع، ارتأيت أن أقترحه على الطلاب كمرجع مهم لإثراء النقاش وتعميق فهمنا حول الموضوع لما يورده من تحاليل تصب مباشرة في عمق القضية موضوع النقاش· لكن وأمام دهشتي لمست تمنعا لدى الطلبة، وتهيبا كبيرا من قراءة الكتاب· والحق أن المرجع كان ضخما يتجاوز 500 صفحة مما يجعل من قراءته أمرا صعبا يستغرق وقتا طويلا· والأكثر من ذلك أن المؤلف نفسه كتب ملخصا موجزا عن الكتاب في بضع صفحات قبل سنوات ونشره على الإنترنت ما دفع الطلبة إلى الإقبال عليه ونسيان أمر الكتاب الضخم· وعلى أي حال من يتوقع أن يقلب أحد الطلاب الصفحات تلو الصفحات مستهلكا وقتا طويلا وجهدا مضنيا، في الوقت الذي يستطيع فيه أن يمر بسرعة على ملخص يوجز الأفكار الرئيسية للكتاب ويفي بالغرض·
ومازلت أذكر كيف أخبرني أحد الطلاب النجباء أنه في كل الأحوال لا يتعين علينا استغراق وقت طويل في قراءة كتب بأكملها للحصول على المعلومات المطلوبة، لأن أحد أساتذته في الثانوية العامة قال له إن معظم الكتاب يلجأون إلى حشو كتبهم بالتفاصيل المملة والاستطرادات الكثيرة لمناقشة فكرة يمكن التعبير عنها في مقالة لا تتجاوز 20 أو 30 صفحة· لكن مع زحف هذه الموجة التي تفضل المختصر على المسهب يبرز السؤال التالي: هل باتت الثقافة المكتوبة تعاني من أزمة هذه الأيام؟ فنحن أمام طلبة تربوا طيلة حياتهم الدراسية على قراءة المقررات الدراسية الموجزة عازفين عن الاستعانة بالكتب التي تحلل المواضيع وتفصِّلها أكثر· والنتيجة أن العديد من أبناء الجيل الحالي تحولوا إلى كائنات غير قارئة، ليس لأنهم لا يجيدون القراءة، بل لأنهم ينصرفون عنها لصالح النصوص القصيرة التي بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة حيث يقوم الطلبة بإرسال نصوص روائية قصيرة جدا عبر الهاتف المحمول تفاديا لقراءة نسخها الأصلية· ولكي أكون منصفا لابد من الاعتراف بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على أبناء الجيل الحالي، بل كانت أيضا منتشرة في أوساطنا مع بقاء الفارق طبعا، حيث كنا أحيانا نتهرب من قراءة المراجع الرئيسية ونلوذ بالكتب الفرعية أو التحليلات المقتضبة التي تعطينا لمحة عن المواضيع الدراسية دونما الحاجة إلى قراءة تلك الأعداد الهائلة من الصفحات التي تزخر بها الكتب·
ومع ذلك توجد حاليا تقنية جديدة تفرقنا جذريا عن طلبة الجيل الراهن وتتمثل في محرك البحث· فقد أحدثت هذه التقنية الجديدة ثورة حقيقية في مجال البحث عن المعلومات وتقريبها من الطلاب· فما على الطالب الآن سوى إدخال الكلمات المناسبة في محرك البحث كي يتدفق عليه سيل عارم من المعلومات ابتداء من دروس في الرقص، وليس انتهاء بكلام إحدى الشخصيات في رواية ما، أو نص أدبي يرجع إلى القرون الوسطى· فما بين خاصية ''البحث'' التي توفرها شركة مايكروسوفت في برامجها المكتبية، وخاصية ''ابحث في الداخل'' التي تتيحها شركة أمازون، ثم ما يوفره ''جوجل'' من إمكانات واسعة للبحث والتنقيب على المعلومات، أصبح باستطاعة الطلبة أن يستقوا معلوماتهم الضرورية بسهولة متناهية·
وإذا كان لهذه التقنية الجديدة المتمثلة في محركات البحث دور كبير في اختصار الوقت والحصول على المعلومات دون عناء كبير، ناهيك عن دمقرطة المعلومات بجعلها في متناول شرائح واسعة لا تمتلك القدرة على اقتناء الكتب الجديدة والمكلفة في نفس الوقت، إلا أن ذلك يطرح بعض المشاكل الشبيهة بتلك التي ظهرت مع قدوم السيارة حيث قللت من حركة الناس وممارستهم للمشي، وهو ما انعكس سلبا على الصحة· لذا فإن وجود تقنيات تساعدنا على قراءة النصوص الصغيرة والموجزة، سيؤثر على قراءة الكتب التي اجتزئت منها تلك النصوص وستصبح حبيسة الرفوف في المكتبات بعد أن يعلوها الغبار كما لو أنها تحف تاريخية تشهد على عصر ولىَّ وانتهى· فلماذا الانكباب على قراءة كتاب ضخم، أو حتى الاطلاع على دراسة مطولة حوله، بينما يمكن الضغط على محرك البحث للحصول على صفحة واحدة تحتوي على إشارات قد تكون كافية لفهم الغرض الرئيسي من وراء الكتاب والأفكار الأساسية التي يتضمنها؟ ولتشجيع الطلبة على قراءة الكتب يطلب بعض أساتذة الجامعات من طلبتهم أن يوردوا أسماء الكتب والمراجع التي اعتمدوا عليها في بحوثهم، وليس فقط المواقع الإلكترونية· لكن مع وجود بعض الكتب منشورة على الإنترنت، أصبح من الصعب التفريق بين البحث الفعلي ونظيره الافتراضي· ومع ذلك فإنه حتى في أيامنا نحن لم نكن نقرأ جميع صفحات الكتب المقررة، بل كنا نقفز على الصفحات متعقبين ما نراه مهما، ومتجاوزين ما يبدو غير ذلك، ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى المرور على المعلومات الضرورية دون التقاطها والاستفادة منها·
وقد