وأخيرا سقطت آخر المحرمات في الولايات المتحدة وصار بإمكاننا أن نسمع مباشرة من الرئيس بوش قراره ببدء الانسحاب من العراق وإعادة جزء من جنود الجيش الأميركي إلى وطنهم· في المرات السابقة كانت دعاوى الانسحاب من العراق تقتصر على أهالي الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق، أو الخبراء الجيوبوليتيكيين المتوجسين من تآكل صورة الولايات المتحدة في العالم وتدني شعبيتها· كما أن مطالب الانسحاب هذه المرة لم تقتصر على هؤلاء السياسيين الذين بدأوا يستشعرون الخطر المهدد لمستقبلهم السياسي إن هم واصلوا تجاهل مطالب الرأي العام الأميركي· هذه المرة وخلافا لكل ما سبق أعلنت الولايات المتحدة رسميا أنها ستشرع في سحب قواتها من العراق ابتداء من عام ،2006 حتى ولو لم يكن بمقدورها تحديد اللحظة الحاسمة لإعلان انتصارها المؤزر في حربها الدائرة في بلاد الرافدين· وهي اللحظة التي بات من المعروف أنها لن تأتي أبدا، لأن أميركا ببساطة خسرت الحرب منذ فترة طويلة ولا يبدو أن ذلك سيتغير في المستقبل المنظور· وليست الولايات المتحدة الوحيدة التي اتخذت قرار الانسحاب، بل سبقتها إليه بريطانيا التي أعلنت في وقت سابق عزمها على تقليص قواتها في العام القادم، وهو ما فاجأ الرئيس العراقي نفسه الذي يبدو أن الانسحاب لا يروق له على الأقل في هذه المرحلة المضطربة التي تمر بها بلاده·
وحسب هذا السيناريو الغارق في المثالية تظهر الأمور وكأنها تتخذ مجراها الطبيعي ولا تخرج عن إطار المتوقع والمأمول إذ بعد حرب ناجحة وضعت حداً لأبشع الديكتاتوريات، وبعد قيام القوات الأميركية والبريطانية بمساعدة العراقيين على بناء بلدهم وإحلال مؤسسات ديمقراطية جديدة، لم يبق أمام تلك القوات سوى ترك العراق للعراقيين· بيد أن الحقائق الميدانية تشير إلى واقع مختلف تماما لا يمت بأدنى صلة لما تحاول الولايات المتحدة تصويره للعالم، حيث برز إخفاق استراتيجي واضح وفشل أخلاقي صارخ· فالعسكريون الأميركيون يعترفون بأنفسهم بعدم قدرة القوات العراقية المدربة حديثا على تولي مسؤولية تأمين العراق والتصدي للمتمردين مشيرين إلى وجود ما بين كتيبة إلى ثلاث كتائب من الجيش العراقي فقط تستطيع بمفردها محاربة المسلحين دون مساعدة القوات الأميركية· ويعني ذلك أن عدد القوات العراقية المستعدة فعلا للمواجهة الضارية مع المتمردين لا يتعدى 2100 جندي، وهو عدد غير كافٍ بكل المقاييس، خاصة في ظل العدد الكبير لقوات المسلحين المناوئين للوجود الأميركي التي يبلغ قوامها حسب بعض التقديرات ما بين 25 و30 ألف مقاتل ينتمون إلى مجموعات من الطائفة السنية، ومن حزب البعث السابق، فضلا عن ثلاثة آلاف من الجهاديين الذين وفدوا إلى العراق من الخارج·
وإلى حد الآن مازال الأميركيون يخشون تزويد القوات العراقية بالمعدات العسكرية اللازمة للتصدي للمتمردين خوفا من أن تنقلب ضدهم، إذ لم يحصل 76 ألف عسكري عراقي سوى على 60% من العتاد الذي كان من المفترض أن يزودوا به· ولا أعتقد أن بناء المؤسسات السياسية العراقية وفق الجدول الزمني الموضوع سيساهم بأي شكل في التخفيف من وطأة العنف، أو التقليل من عدد القتلى الأميركيين الذي يستمر في التزايد يوما بعد يوم· كما أن الأوضاع الأمنية لن تستتب بإحلال ديمقراطية تنحصر في صناديق الاقتراع وتختزل في تنظيم الانتخابات دون أن يصاحب ذلك بناء دولة القانون التي تضمن حقوقا متساوية لكافة مواطنيها مهما اختلفت انتماءاتهم الطائفية وتضع حدا للفوضى السائدة في البلاد حاليا· غير أن ما يرشح بين الفينة والأخرى من فضائح متعلقة بتعذيب المعتقلين العراقيين وتورط أفراد من قوات الأمن العراقية في ذلك يجعل من دولة الحق والقانون حلما بعيد المنال· وأمام هذا الوضع المتردي سارع رئيس الوزراء العراقي السابق المؤيد للولايات المتحدة إياد علاوي بإدانة تلك الممارسات قائلا إنها ''تشبه ما كان يقوم به صدام حسين إن لم تكن أسوأ منه''·
ويضاف إلى تلك الفضائح المتتالية الموقف الحرج الذي حُشرت فيه الولايات المتحدة بعد الكشف عن معلومات تفيد بأن وكالة الاستخبارات المركزية تقوم بحجز المعتقلين الإسلاميين بصورة غير مشروعة في بلدان أوروبا الشرقية وإخضاعهم للتعذيب، رغم نفي المسؤولين الأميركيين لتلك المعلومات والتأكيد بأنه لا أساس لها من الصحة· ومن جانبه رد الاتحاد الأوروبي على هذه المعلومات المزعجة بتهديد جاء على لسان المفوض الإيطالي لشؤون العدل فراتيني بأنه سيحجب عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حق التصويت في المجلس الأوروبي إذا ما ثبت وجود معتقلات أميركية فوق أراضيها يمارس فيها التعذيب· وللتحقق من هذا الأمر اتفق على إجراء تحقيقين الأول سيقوم به المجلس الأوروبي حيث سيسعى إلى التأكد من مدى احترام الدول الأوروبية التي وجهت إليها أصابع الاتهام لحقوق الإنسان كما تنص عليها المواثيق الدولية· أما التحقيق الثاني فسيقوم به الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث من المتوقع أن يطالب وزير الخارجية البريطاني جاك سترو من كو