هز الشيخ عايض القرني ساحة الدعوة الإسلامية في السعودية بقصيدته ''القرار الأخير'' التي أعلن فيها اعتزاله الدعوة والاعتكاف في بيته محتجاً على ما انتهت إليه الصحوة الإسلامية التي انطلقت على رأس القرن الهجري الحالي، وأرادها البعض إصلاحاً وتصحيحاً، فانتهت مختطفة متحزبة متعصبة تفرض الرأي الواحد، وتُرهب من يخرج عليها مهما جامل كبراءها وساير دهاقنتها المستفيدين من احتكارها، فجعلوها محاكم تفتيش تحاسب حتى على النوايا وما تكنه الصدور·
هكذا فهمت موقف الشيخ والذي أتمنى ألا يطول اعتزاله وأن يخرج مع غيره من العلماء والدعاة التجديديين لاستعادة صحوتهم ودعوتهم وإعادتها إلى منهج الاعتدال والوسطية، منهج الحب والتسامح، منهج محمد عليه الصلاة والسلام· فإذا كان إعلانه الصاخب في قصيدته اعتزالاً احتجاجياً فهو فعل إيجابي الآن، ولكن المضي فيه، واختزال الطاقة والعلم اللذين جمعهما الشيخ الفاضل، في حياة أسرية هادئة رضية من بيته إلى المسجد إلى زيارة قلة من محبيه، فحينها تكون فعلاً سلبياً·
ليت الشيخ يفعل ما فعله أبو حامد الغزالي عندما اعتزل الناس متأملاً متدبراً لعدة سنوات، وعاد إليهم بـ''إحياء علوم الدين''، مصلحاً مجدداً للدين فأحدث ثورة في الفكر الإسلامي أنتجت حراكاً لم يتوقف إلا على أبواب القدس على يد الفاتح صلاح الدين الأيوبي الذي يعد هو والسلاطين من آل زنكي الذين دخلوا سجل الشرف الإسلامي في سعيهم لوحدة المسلمين وحرب الصليبيين، من تلامذة دعوته النجيبين· لعلي أبالغ هنا وأحمّل الشيخ ما لا يريد تحمله، ولكن الشاهد غلب، والقصد أننا بحاجة إلى من يخرج علينا لاستنقاذ الدعوة الإسلامية ممن خطفها وصادر مقاصدها وضيق من أفقها وعالميتها إلى تجمع ''حزبي'' يدخل من يريد في رحمته ويطرد من أبى الاستجابة لشروطه وأصول مدرسته، ويكفي في قصة الشيخ مع الحجاب عبرة، عندما أفتى بما أفتى به غالب علماء الأمة بجواز كشف وجه المرأة، فانبرى له أركان ''الحزب'' و''بوليسه السياسي'' مقرعين مهددين شاتمين متوعدين، يلوحون بطرده من جنتهم التي زعموا أنهم استودِعوا مفاتيحها·
أحبُ العُلماء الشباب وأحرص على لقائهم، فأذكر أن حسن الطالع جمعني مع أحدهم ممن هو قريب للشيخ عايض في سنه ومنهجه في طائرة من جدة إلى الرياض· رحب بي بدماثة خلق المسلم الذي لم تلوثه الحزبية والاغترار بدينه، فهو يعلم أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا وإنْ اختلفت آراؤنا· مضى الحديث منساباً حول ضرورة إعادة النظر في الموقف من الغرب وإلغاء الحدية والتعميم، فاسترسل يحدثني عما رأى في رحلة له إلى فرنسا، وأخذ يعدد على ما رأى من محاسن النظام عندهم، وحسن التعامل، وأنهم ليسوا سواء وفيهم خير يُكتسب· قلت له ولمَ لا تحدث الناس بذلك، نظر إليَّ نظرة من يقول ''لا تحرجني مع الناس يكفي ما أنا فيه'' ذلك أن الشيخ كان قد أخذ يحدث الشباب والعامة بمفاهيم تصحيحية يسعى بها إلى إعادة الصحوة إلى ساحة الاعتدال والتسامح فبدأت الحملة عليه أنه ''باع دينه بدنياه'' وأنه أضحى من ''شيوخ السلطة''· نفس النظرة رأيتها من الشيخ عبدالله عزام رحمه الله، خرج ليلتها من اجتماع مطول مع قادة العمل الإغاثي والجهادي العربي في بيشاور في زمن الجهاد ضد السوفييت، كانت الساحة في بيشاور تعج بأخبار مكايدات المتطرفين والجماعات المصرية تحديداً ضد الشيخ عزام، كان أسامة بن لادن وقتها في صف الشيخ رحمه الله ولكنه بدأ في التودد لتلك الجماعات أو يمكن القول إنه بدأ يستجيب لتوددهم له، فطرح شعار أن ساحة الجهاد في أفغانستان يجب أن تفتح ذراعيها للجميع، بينما كان عبدالله عزام وغيره جلهم لا زالوا أحياء يرزقون، أتمنى لو يدلون بشهادتهم على أحداث تلك المرحلة المهمة، مُصرين على الاستمرار في نهجهم الانتقائي بإسناد المسؤوليات لمن يوافقهم في مدرسة الاعتدال والوسطية· قلت للشيخ وقد جلست بجواره في السيارة عائدين لمنزله ''لماذا يا شيخ لا تفضح هؤلاء المتطرفين وأعمالهم وتحذر الشباب منهم؟''، كنت صحفياً يومها، فنظر إليَّ عاتباً وقال: ''لا أريد أن يتحول هذا الموضوع إلى جدل في الصحف''· سكت عبدالله عزام عنهم، وقتل هو وابناه بقنبلة غادرة أسفل سيارته، واستمر المتطرفون ''المكفراتية'' كما كنا نسميهم واختطفوا جهاد العرب في أفغانستان·
إن سكوت أهل الحق عن الحق، والاعتدال عن نشر التسامح وقيم الإسلام الحقيقية لن يوقف أهل الغلو والتطرف، بل سيرون في سكوتهم ضعفاً، بل حتى يزين لهم الشيطان فعلهم، فيرمي في نفوسهم أنهم قد ألقموهم حجراً وأقاموا عليهم الحجة الدامغة، فيغتروا بما يحسبونه نصرا، فتخلوا لهم الساحة فيزدادون غلوا وتنطعاً·
توقفت طويلا أمام جملة قالها الشيخ عايض القرني لمراسل صحيفة ''الشرق الأوسط'' أول من أمس والذي حاوره في قراره بالاعتزال فأكده وقال شاكيا ''إن الموقف الوسطي يُفقد الداعية شيئاً من الجمهور''، لا يا شيخي الفاضل، إن جمهور الداعية ليس أولئك الأنصار المحسوبين على ''الحزب'' وإنما عامة المسلمين، حتى أولئك المقصرون