عندما بدأت المجاعة تعض السكان الذين يعيشون حول البحيرة بنابها، لم يجد هؤلاء السكان أمامهم سوى الارتداد إلى تراث الأجداد لعلهم يجدون فيه مخرجا. وهكذا قاموا بالتقاط أشجار سامة من الدغل القريب، وقاموا بغليها في الماء حتى يتخلصوا من السموم الكامنة فيها، ثم ليقوموا بعد ذلك بصنع وجبة يمكن للمرء أن يستسيغها بالكاد. بيد أن ما يحدث في بعض الأحيان، هو أن الأطفال الذين مزق الجوع أحشاءهم، يحاولون بدافع الفضول أن يتذوقوا الوجبة قبل الأوان، فيمرضون، وتتعرض حياتهم للخطر بفعل السم الموجود فيها.. هذا ما يقوله القرويون.
من هؤلاء القرويين (كيبي كاموتا)، وهو أب لأحد عشر طفلا. لم يستطع (كاموتا) احتمال الوضع أكثر من ذلك وقال: (ثلاثة أيام كاملة! هل تصدقون ثلاثة أيام كاملة لمجرد أن يستطيع أطفالي الحصول على وجبة يمكن للمرء بالكاد أن يستسيغها... إنه ليصعب علي للغاية أن أرى أطفالي وهم يتضورون جوعا هكذا).
بيد أنه في الوقت الذي ينهش فيه الجوع أمعاء هؤلاء الأطفال البائسين، فإننا نجد أن صناديق المعونة المقدمة من الدول المانحة تستقر، كما هي، في المخازن الواقعة في تلك القرية الواقعة على ضفاف بحيرة (كاريبا). يقول المسؤولون الأميركيون إن: الذرة التي أرسلوها وهي نوع مستخرج نتيجة التزاوج بين التقنية الحيوية وأساليب الزراعة العادية، صالحة تماما للأكل، ولكن السلطات الزامبية لم تصدق ذلك، وقامت بوضع أجولة وصناديق المعونة الغذائية في المخازن حتى تتأكد من صلاحيتها للاستهلاك. وهذه الأجولة والصناديق ما زالت ملقاة في المخازن منذ فترة ، دون أن تقوم الحكومة بفحصها، حارمة بذلك السكان الذين يتضورون جوعا في المناطق القريبة، من الاستفادة منها·
لم يصبر (كاموتا) الذي يتضور أبناؤه جوعا إلى أن تقوم الحكومة بذلك، بل قام بحشد مجموعة من سكان القرية وقادهم إلى مخازن الغلال، للاستيلاء على محتوياتها وتوزيعها على العشرات من عائلات القرية، التي نعمت بوليمة شهية. بهذا العمل العفوي من أعمال التحدي، فإن سكان ( مونياما) القرويين ، لم يقوموا فقط بإعادة ملء مخازن الطعام الخالية في بيوتهم، ولكنهم، ودون أن يقصدوا أصبحوا رموزا في الصراع المستمر طويلا بين أوروبا وبين الولايات المتحدة حول الأغذية المعدلة وراثيا.
بالنسبة للمدافعين عن التقنية الحيوية (البايوتكنولوجي)، فإن ما قام به القرويون في هذه القرية الزامبية، وما قام به السكان في مناطق أخرى من تلك الدولة، عندما اقتحموا مخازن الغلال العام الماضي، يبين بجلاء الأكلاف البشرية، التي يمكن تكبدها نتيجة للخوف المرضي من التقنية (تكنوفوبيا)، الذي يتركز في أوروبا، والمصمم على إعاقة عمليات تطوير المحاصيل المعدلة وراثيا.
أما بالنسبة للمتشككين في التقنية الحيوية، فإن سكان تلك القرية من قرى زامبيا، قد أصبحوا رمزا لرغبة الحكومة الأميركية في استخدام القرويين المعدمين، كمخلب قط في معركة الضغط على مصالح الشركات الغربية.
ومما يذكر في هذا السياق أن الجدل المحتدم حول تلك التقنية، قد اصبح موضوعا رئيسيا من موضوعات العلاقات الدولية، كما أصبح أيضا موضوعا من موضوعات الصراع التجاري المحتدم بين مصالح الدول .
وتراقب المصالح المالية في (وول ستريت) (مركز المال والأعمال في مدينة نيويورك) ذلك الصراع المحتدم بقلق ، وتحاول القيام بالضغط على الشركات، كي تقوم بتعويض الخسائر التي منيت بها استثماراتها في مجال التقنية الحيوية، من خلال بيع المزيد من البذور المعدلة وراثيا. أما دعاة المحافظة على البيئة فهم يقومون بمسيرات في الشوارع لمعارضة بيع المحاصيل التي تستخدم هذه البذور في زراعتها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، حيث نجد أن الفاتيكان أيضا يقوم الآن بوزن كافة جوانب تلك المسألة، كما قام في الآونة الأخيرة بتنظيم ندوة حوار حول الأسس الأخلاقية لها.
وقد تحول السجال الدائر حول الموضوع، إلى صراع محتدم يتمحور حول طبيعة تلك الأغذية ذاتها، وحول مستقبل الزراعة بشكل عام. وهذا الصراع تدور رحاه الآن في العواصم الكبرى في العالم، كما يدور في أصغر القرى حجما في أفريقيا، تلك القارة التي تعاني من صعوبات هائلة في توفير الطعام لسكانها.
ونظراً إلى اشتداد المعارضة الأوروبية لهذه التقنية في السنوات الأخيرة، فإن ممثلي المصالح الصناعية القائمة عليها، ذهبوا إلى أن المحاصيل المعدلة وراثيا، تمثل الأمل الرئيسي لمساعدة أفريقيا على حل مشكلاتها الزراعية وإطعام شعوبها بنفسها.
وقد وصل الجدل الدائر حول تقديم الأغذية المعدلة وراثيا لشعوب القارة الأفريقية إلى ذراه في واشنطن خلال الصيف الفائت، وذلك في المؤتمر الذي عقدته منظمة صناعات التقنية الحيوية، والذي قام فيه الرئيس بوش وغيره من أعضاء الإدارة الأميركية، بإلقاء كلمات تؤيد الخط العام الذي تنتهجه هذه الصناعة.
قال بوش في الكلمة التي ألقاها أمام المجموعة التجارية المنبثقة عن المنظمة: (من أجل قارة تتهددها المجاعة، فإنني أرجو الحكومات الأوروبية أن تقوم بإنهاء معارض