سألتني صحفية بريطانية فيما إن كان من المعقول فعلاً أن يفكر جورج بوش بقصف مقر قناة ''الجزيرة'' في الدوحة وفي أماكن أخرى، كما تقول الوثيقة التي تسربت ونشرتها صحيفة ''الديلي ميرور'' البريطانية· قالت الصحفية إن الأمر لا يُصدق وفيه مبالغة كبيرة ولا يخضع للتحليل المنطقي· فكيف يمكن أن يخطر ببال رئيس أكبر قوة في العالم وتدعي أنها قائدة العالم الحر والنصير الأول للحريات السياسية والإعلامية أن يضرب بالقوة المسلحة وسيلة إعلامية مدنية ويقتل مئات الإعلاميين العاملين فيها؟ أجبتها بأن استغرابها في محله، فالفكرة وتخيلها هما أقرب فعلاً إلى المزحة السمجة· قلت لها أنا أصدق ما جاء في الوثيقة التي تسربت لأن صاحب التهديد يقول جهاراً نهاراً إنه على اتصال مباشر مع الرب وإن هذا الرب يملي عليه ما يفعل، فيقول له اغزُ هذا البلد، أو حارب هذا الشعب· وليس بإمكان أي منا أن يتوقع ماذا قال له ''الرب'' عندما شكا إليه أمر ''الجزيرة'' واستشاره بشأنها·
قلت للصحفية المتسائلة لو أن وثيقة تسربت خلال الأيام الأولى لحرب أفغانستان وحرب العراق تقول إن القوات الأميركية ستقصف مكاتب ''الجزيرة'' في كابول وبغداد حتى لو أدى ذلك إلى قتل إعلاميين من ''الجزيرة'' لقال أكثر من قائل إن في ذلك مبالغة، ولا يعقل أن تقوم به دولة هي ''أم الحريات''· أو لو تسربت وثيقة سنة ،2000 أي قبل إرهاب الحادي عشر من سبتمبر، تقول إن جورج بوش يريد أن يغزو العراق ويحتله ولو أدى ذلك إلى قتل أكثر من مئة وعشرين ألف عراقي مدني لظننا جميعا بأن ذلك ليس سوى نتاج التفكير المؤامراتي الذي يُتهم به العرب دوماً· والآن نعرف جميعاً أن تلك الوثيقة، بل وثائق لا تحصى، كانت موجودة قبل الحرب وفيها تفاصيل عن ''ضرورة'' غزو العراق مهما كانت التكلفة، وأن معديها من المحافظين الجدد استغلوا تفجيرات نيويورك وواشنطن لينفذوها·
التشكيك بوجود الوثيقة والتهديد الذي تضمنته على قاعدة التحليل المنطقي والعقلاني أمر مفهوم لأن مضمون التهديد خارج فعلاً عن أي سياق فيه أدنى ذرة من العقل والرصانة· لكن تأكيدات رئيس تحرير ''الديلي ميرور'' لا تترك مجالاً لأي متشكك· والأهم من ذلك أن توتر الحكومة البريطانية المفاجئ، وإصدار المدعي العام قرارا فوريا يحظر نشر كامل الوثيقة وتفاصيلها بل وحتى ما تعلق منها بـ''الجزيرة'' يؤكد أن شيئا خطيرا تضمنته· كل ذلك يزعزع فكرة التشكيك المبني على المنطق، خاصة، ومرة ثانية، عند معاودة التذكير بأن التهديد صدر على لسان رئيس لا يدرك أبعاد ما يفعل كما ثبت ويثبت كل يوم·
بيد أن ثمة نوعاً آخر من التشكيك يتكئ قليلاً على التحليل المنطقي لكنه يعتمد كثيراً على مناكفة ''الجزيرة'' والاستهزاء بها بل والتشفي بما قد يحصل لها· وهذا التشكيك صدر عن كثير من الصحفيين والإعلاميين العرب وهو أمر مؤسف إذ مهما وصلت انتقادات البعض لـ''الجزيرة'' فيجب أن تتوقف عندما يتعلق الأمر بأرواح زملاء لهم في المهنة يواجهون رجلاً مثل جورج بوش· عدد من المقالات التي سطرها كتاب عرب تشي بروح متوترة ضد ''الجزيرة'' وكلها تشكك في وجود الوثيقة والتهديد الذي حوته، وتقول إن الأمر كله ليس سوى ''مزحة سخيفة''· والحقيقة هي أن هذه المقالات ومضمونها هما المزحة السخيفة وثقيلة الظل، ذاك أن كتابها يتكلمون باستعلاء مدهش، ويتحدثون بثقة وكأنهم هم المشرفون على الأرشيفات السرية للحكومة البريطانية والحكومة الأميركية· كأنهم قد حضروا الاجتماع بين بوش وبلير وصاغوا خلاصات اللقاء وتبادلوا الضحكات والمزحات مع الرئيسين عندما أعلن بوش غضبه على ''الجزيرة'' وهدد بقصفها· والمشكلة المقلقة فعلاً في هذه المقالات وكاتبيها هو اختفاء أي حس نقدي صحفي بالدرجة الأولى، واختفاء أي حس تضامني مع زملاء لهم في المهنة ثبت في أفغانستان والعراق أنهم زملاء مستهدفون من قبل الإدارة الأميركية قولاً وفعلاً·
اختفاء الحس النقدي الصحفي يشي بغياب المهنية، حيث إن ما هو منتظر من الصحفي هو امتلاك حس النقد تجاه السلطات والتشكك في كل ما يأتي من قبلها وتمحيصه وتقليبه، وعندها يستحق أن يوصف بالانتماء إلى السلطة الرابعة· الصحفي القدير والحقيقي هو الذي يلتقط أية معلومة صغيرة أو طرف خيط لقضية تريد السلطة التنفيذية إخفاءها، وتدافع عن نفسها إزاء ما قد تتضمنه تلك القضية من إدانة لها، فيشد ذلك الخيط إلى النهاية· هو الصحفي الذي لا يهدأ له بال حتى يصل إلى آخر الخيط، ويضع لقرائه أو مستمعيه أو مشاهديه خلاصات ما وصل إليه، ويتحدى السلطات الثلاث الأخرى بإظهار باطنها بحيث يتسنى للفرد المواطن العادي أن يعرف الحقائق كلها· مهمة الصحفي الحقيقي هي مهمة المثقف الحقيقي وهي نقد السلطة أولاً والتشكك فيها لأن السلطة هي التي تحتكر القوة وحيث يتم احتكار القوة تتسع احتمالات الفساد وسوء استغلال القوة· وفي قضية وثيقة ضرب ''الجزيرة'' تكون الممارسة الصحفية المهنية الحقيقية منطلقة من التشبث بالوثيقة حتى لو كان وجودها نفسه مشكوكاً فيه، ثم مطالبة الحكو