في سلسلة خطاباته الأخيرة إلى الشعب الأميركي، حاول الرئيس بوش أن يساوي بين التهديد الإرهابي الحالي، الذي تواجهه أميركا والعالم، وبين التهديد الذي كانت تمثله التوتاليتارية الشيوعية في القرن العشرين· وكانت وجهة النظر التي استند إليها بوش في ذلك، هي أن التحدي الإرهابي الحالي عالمي النطاق، شرير الطبيعة، قاس تجاه أعدائه، ويسعى جاهدا إلى التحكم في كل مجال من مجالات الحياة والفكر· وللتدليل على صحة وجهة نظره هذه، استخدم الرئيس الأميركي كثيرا صفة ''إسلامي'' عند إشارته للإرهاب، كما قارن بين الإيديولوجية الدموية للراديكالية الإسلامية، وبين الإيديولوجية الشيوعية·
والسؤال الذي ينبغي علينا طرحه في هذا السياق هو: هل كان الرئيس بوش على صواب من الناحية التاريخية في تحليله للأخطار المتماثلة- من وجهة نظره- والتي تشكلها الأصولية الإسلامية في الوقت الراهن، والتي كانت تشكلها التوتاليتارية الشيوعية على امتداد القرن العشرين؟ إن الرئيس الأميركي قد لا يعرف أن أوجه الخلاف بينهما قد تكون أكثر أهمية من أوجه التشابه·· ثم هل من الحكمة أن يقوم هو نفسه بتقديم هذا الطرح في الظروف التي تواجهها الولايات المتحدة في الوقت الراهن؟
زبيجنيو برجينسكي
مستشار الأمن القومي الأميركي
في عهد الرئيس جيمي كارتر
بتأكيده على أن الأصولية الإسلامية- مثلها في ذلك مثل العقيدة الشيوعية- هي التحدي الأكبر لقرننا الجديد، فإن بوش يقوم ضمنيا برفع منزلة أسامة بن لادن وأهميته التاريخية، إلى مستوى الشخصيات التاريخية الكبيرة التي صاغت الفكر والتطبيق الشيوعي في القرن العشرين مثل فلاديمير إيليتش لينين وجوزيف ستالين وماو تسي تونج على سبيل المثال لا الحصر· وهذا يوحي في المقابل بأن المنشق السعودي الهارب، والذي ربما يتخفى الآن في أحد الكهوف، بل قد يكون قضى نحبه بالفعل- كان يعبر عن عقيدة سياسية ذات دلالة وأهمية عالمية· والعنصر الأساسي في المقارنة التي عقدها الرئيس بوش، هو تلك الفرضية التي تقول إن ''جهاد'' ابن لادن قد يتمكن يوما من السيطرة على عقول وقلوب مئات الملايين من الناس عبر الحدود الوطنية والأطياف الدينية في أركان المعمورة الأربعة· وهو بذلك يضفي أهمية كبيرة على ابن لادن لا مبرر لها من وجهة نظرنا··· فالجهاد ''الإسلامي'' - في أحسن الأحوال- ليس إلا حركة محدودة ومتشظية بالكاد تجد صدى لها في معظم أنحاء العالم وليس كما تصورها الكثير من التحاليل السياسية التي تتسم بالمبالغة·
في مقابل ذلك نجد أن الشيوعية كنظرية كانت تحظى بقبول عالمي واسع النطاق· فبحلول عقد الخمسينيات من القرن الماضي، لم تكن هناك تقريبا دولة واحدة في العالم ليس بها حركة شيوعية نشطة- أو حتى مؤامرة شيوعية- بصرف النظر عما إذا كانت تلك الدولة ذات أغلبية مسيحية أو مسلمة أو هندوكية أو يهودية أو بوذية أو كونفوشيوسية· وفي بعض البلدان مثل الصين وروسيا على وجه الخصوص، كانت الحركة الشيوعية هي أكبر تشكيل سياسي مسيطر على ساحة الحوار الفكري في هذين البلدين· وفي الدول الديمقراطية في أوروبا مثل إيطاليا وفرنسا، كانت الشيوعية تمثل حركة حزبية قوية تتنافس بشراسة مع غيرها من الأحزاب من أجل الوصول إلى السلطة السياسية من خلال انتخابات حرة ومفتوحة·
التحدي الشيوعي··· والمصير
من المعروف تاريخيا، أن الشيوعية نشأت كرد فعل على المظالم ومظاهر التخلخل الاجتماعي التي رافقت نشوء الثورة الصناعية، وذلك من خلال طرحها لصيغة مجتمع تسوده العدالة الكاملة بين البشر وتذويب الفوارق بين الطبقات· وليس هناك من شك في أن تلك الصيغة كانت زائفة، وأنها قد استخدمت لتبرير العنف الذي قاد في النهاية إلى ما اصطلح على تعريفه بمعتقلات ''الجولاج'' السوفييتية galuG teivoS (الاسم الذي كان يطلق على معسكرات الاعتقال والتعذيب السوفييتية الرهيبة التي كانت تجبر المعتقلين على العمل الإلزامي والسخرة باسم بناء الاشتراكية ودولة البروليتاريا والتي كتب عنها الأديب الروسي العالمي الكسندر سولجنستين رواية ذائعة الصيت تحت اسم أرخبيل الجولاج)· كما قادت الشيوعية أيضا إلى معسكرات العمل، وإلى ما يعرف باسم ''معسكرات إعادة التعليم'' في جمهورية الصين الشعبية، وأدت أيضا، سواء في هذين البلدين أو في غيرهما من الدول التي اعتنقت العقيدة الشيوعية، إلى أشكال وحالات واسعة أخرى من مظاهر انتهاك حقوق الإنسان· ومع ذلك كله، فإن تعريف الشيوعية للمستقبل كان هو تحديدا الذي ساهم لفترة طويلة من الزمن في جعلها أيديولوجية تحظى بقبول عالمي عابر للحدود والثقافات·
علاوة على ذلك، كان التحدي الفكري والسياسي الذي تمثله الشيوعية مدعوما بآلة عسكرية جبارة مزودة بأحدث أنواع الأسلحة والعتاد في حينه· فقد كان الاتحاد السوفييتي يمتلك ترسانة نووية ضخمة يستطيع إطلاقها خلال دقائق قليلة لشن هجوم نووي كبير على الولايات المتحدة الأميركية· وكان ذلك يعني أنه في حالة استخدام مثل هذه القوة، فإن 120 مليون أميركي وسوفييتي كان محتما أن ي