الحكيم: معمم لا يريد الدولة الدينية


جاء الإعلان عن تولي عبد العزيز الحكيم الرئاسة الدورية لمجلس الحكم الانتقالي العراقي، في الأول من الشهر الجاري، ليصبح خامس رئيس لمجلس الحكم، وأول معمم يشغل أعلى سلطة محلية في العراق منذ استقلاله عن بريطانيا عام ·1932
وتأتي رئاسة الحكيم في وقت يشهد تراجعا للعمليات العسكرية ضد سلطة الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي، إلا أن الوضع الأمني مع ذلك يظل محك اختبار لقدرة النخبة العراقية الجديدة ممثلة في مجلس الحكم ورئيسه الحالي عبد العزيز الحكيم، فهل هو قادر على النهوض بأعباء رئاسة المجلس وما يواجهه من تحديات ومصاعب؟
يمتلك عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، خبرة لا بأس بها في المجالين العسكري والاستخبارات، ولديه مؤهلات وإمكانات قيادية رفيعة· وقد تولى إدارة الشؤون العسكرية والأمنية في المجلس منذ تأسيسه في إيران عام ·1982 وبعد إنشاء فيلق بدر الجناح العسكري للمجلس عام ،1983 كلف عبد العزيز الحكيم بالإشراف على عمليات تدريبه وتسليحه وتنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق، أبرزها تلك التي استهدفت قصر المؤتمرات عندما كانت تتم تهيئته لاحتضان مؤتمر قمة حركة عدم الانحياز، فتم تأجيلها· وبعد انتفاضة مارس عام ،1991 دخل عبد العزيز الحكيم مع تشكيلات من فيلق بدر إلى البصرة ليحرض على الثورة والعصيان ضد النظام· وظل عبد العزيز الحكيم الرجل الثاني في المجلس الأعلى والمساعد والساعد الأيمن لشقيقه الراحل محمد باقر الحكيم، وأتاح له ذلك التعرف على كثير من خبايا السياسة وأسرارها· فقد انتدبه المجلس الأعلى إلى مؤتمرات المعارضة العراقية في صلاح الدين ولندن وفيينا، وكان عضوا في هيئة سداسية لقيادة المعارضة، وحينما قرر المجلس فتح حوار مع الولايات المتحدة أوائل التسعينيات، أسند ملفه أيضا إلى عبد العزيز الحكيم الذي حل بالبيت الأبيض أواخر عام 2002 ومعه رموز المعارضة العراقية·
وبعد أربعة أيام فقط من مقتل شقيقه في التاسع والعشرين من أغسطس الماضي، تم انتخاب عبد العزيز الحكيم بالإجماع في رئاسة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، خلفا لآية الله محمد باقر الحكيم الذي أشار قبيل وفاته إلى نيته التخلي عن القيادة السياسية في المجلس لشقيقه عبد العزيز، كي يبقى هو زعيما دينيا فقط لأتباعه ومريديه·
وأحد مبررات المكانة التي يحظى بها عبد العزيز الحكيم هو كونه يتحدر من أسرة الحكيم الشهيرة في جنوب العراق، فوالده هو المرجع الشيعي السيد محسن الحكيم الذي كان أحد القادة الدينيين والعشائريين في ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني· وتلقى عبد العزيز تعليما دينيا على يدي والده وبعض أشقائه، ثم حصل على شهادة العالمية من الحوزة العلمية في النجف· والى ذلك انخرط عبد العزيز في العمل السياسي مبكرا، وتتلمذ على يدي محمد باقر الصدر الذي اعدمه النظام في عام ،1980 فخرج الحكيم في العام التالي الى ايران، ليتولى مسوؤليات قيادية في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وكان حينها في سن التاسعة والعشرين·
ويرى الساسة العراقيون فيما تحت عمامة الحكيم، شخصية مرنة وبراغماتية ومتفتحة، فهو لا يتبنى مبدأ ولاية الفقيه أو فكرة الدولة الدينية، بل يرى أنه ليس من مهمات الفقهاء تولي المسؤوليات السياسية للدولة، لكن على الحكومة احترام الشريعة والقيم الدينية·
وبدأ الحكيم في إعادة ترتيب علاقته التقليدية مع إيران وفق ضرورات المعادلة الأميركية في العراق· فخلال زيارته الأخيرة إلى طهران التي احتضنت المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وقيادته طيلة 23 عاما، حرص الحكيم على تجنب اللقاء علنا مع أي من قيادات التيار المحافظ، وعلى غير عادته، عاد من هناك دون أن يتقدم بطلب للقاء مرشد الجمهورية علي خامنئي·
ويعد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يشكل إطارا يضم العديد من الفصائل والتنظيمات، أكبر الأحزاب العراقية الشيعية على الإطلاق، فخلال مؤتمر لندن ثم مؤتمر صلاح الدين، منح المجلس الأعلى للثورة الإسلامية نسبة 33 في المئة من تمثيل الشيعة· وتوضح الاستقبالات الشعبية التي عرفتها النجف لدى عودة آية الله محمد باقر الحكيم من إيران، مدى التأييد الذي يحظى به في جنوب العراق خاصة·
ولعل عوامل عديدة، مثل: تجربة القيادة، ومعارضة صدام، والإرث العائلي، وجماعات الاتباع والمخلصين··· هي عوامل من شأنها أن تسهل لعبد العزيز الحكيم مهمته في التغلب على تحديات الرئاسة الدورية لمجلس الحكم الانتقالي العراقي·
لكن المعوقات التي تواجه مهمة الحكيم تفوق بكثير أية عوامل أخرى مساعدة في هذا الخصوص؛ ففضلا عن الصعوبات الموضوعية الكامنة في المهمة ذاتها، فان غياب الانسجام داخل مجلس الحكم بين القوى التي تؤلفه، يضعه أما برامج وأجندات مختلفة· كما أن كون المجلس ذاته لا زال يفتقر إلى صلاحيات تنفيذية واسعة، ترتهن مهمته بسقف الاستراتيجية الأميركية في العراق ومحدداتها، وه