إذا ما أردنا الحديث عن علامات مميزة لإدارة بوش، فإن هذه العلامات لابد أن تتضمن الصفاقة والإصرار على تقديم العناد على أنه قيادة، وتقديم أنصاف الحقائق على أنها حقائق دامغة، وخداع النفس على أنه وضوح في الرؤية·
إن الأمر المحتم -إن عاجلا أم آجلا- هو أن تؤدي التناقضات الكامنة في مثل هذا المشهد الفكري الغريب في النهاية، إلى تقويض أسسه، وهز ما فيه من أبنية عدم الكفاءة (إعصار كاترينا)، والاختلاقات وأنصاف الحقائق (العراق)· وربما تكون هذه العملية قد بدأت فعلا· ففي الثامن والعشرين من أكتوبر الماضي قام قاضٍ فيدرالي باتهام ''لويس ليبي''، مدير مكتب نائب الرئيس ديك تشيني بالكذب وإعاقة سير العدالة·
علاوة على ذلك نجد أن سياسة التعذيب المخجلة التي تتبعها إدارة بوش، تساهم في تعزيز عزلتها وخصوصا إذا ما تذكرنا أن بوش وفي تصريح معروف أنكر الاتهامات التي وجهتها منظمة العفو الدولية للإدارة، بارتكاب جرائم حرب وتعذيب للمساجين في السجون الأميركية، ووصف تلك الاتهامات بأنها ''سخيفة''· وفي الآونة الأخيرة طفى المزيد من الأدلة على وقوع حالات تعذيب وانتهاك على السطح، بفضل الاعترافات التي أدلى بها جنود أميركيون حاليون وسابقون عن تعذيب سجناء عراقيين بموافقة وعلم ضباطهم الكبار، وبموجب أوامر من الاستخبارات العسكرية الأميركية·
وفي الثامن عشر من شهر أكتوبر الماضي عرضت محطة (PBS) التلفزيونية الأميركية فيلما وثائقيا تحت عنوان ''مسألة التعذيب'' من إعداد وإخراج المحطة وضمن برنامج ''الخط الأمامي'' وتم خلاله عرض شهادات من ضباط أميركيين سابقين، قدموا فيها المزيد من الأدلة على وقوع حالات تعذيب منهجية واسعة النطاق· وفي هذا البرنامج أفاد السيرجنت ''روجر بروكاو'' أنه عندما ذهب إلى العراق أدرك أن المحققين الأميركيين يعتبرون أن كل عراقي يتم القبض عليه هو إرهابي· وقال عريف آخر هو ''توني لاجورانيس'' الذي خدم كمحقق في العراق، أن ثقافة التعذيب سائدة في المعتقلات والسجون الأميركية في ذلك البلد· وأن أخطر ما شاهده هناك هو حالات تعذيب من يقبض عليهم في بيوتهم أثناء عملية القبض نفسها·
وفي مقابلة مع ''آيمي جودمان'' المذيعة في محطة ''بابليك راديو'' قالت العقيد ''جانيس كاربينسكي'' الرئيسة السابقة لسجن أبوغريب، والضابطة الوحيدة كبيرة الرتبة التي تمت معاقبتها بتنزيل رتبتها بسبب فضيحة إساءة معاملة المساجين في سجن أبوغريب إن اللوم فيما يتعلق بانتهاك اتفاقيات جنيف ''يجب أن يوجه للمسؤولين من القاعدة وحتى القمة''· وقالت كاربينسكي في هذا اللقاء أيضا إن الجنرال ''ميلر'' الذي أشرف على معسكر خليج جوانتانامو قد أرسل إلى العراق، بموجب أوامر من رامسفيلد كي يضفي الطابع ''الجوانتاناموي'' على أبوغريب· وذكرت كاربينسكي أن ميلر وبخ القائمين على التحقيق مع المعتقلين العراقيين لأنهم لا يتعاملون بدرجة الشدة المطلوبة معهم وطالبهم بأن يعاملوهم ''مثل الكلاب''·
مع كل ذلك لم يتم اتهام أي مسؤول من المسؤولين الكبار في إدارة بوش في قضايا التعذيب، وانتهاك القوانين الفيدرالية والدولية حتى الآن، كما لم تتم محاسبة أي أحد منهم· ولكن أنصار بوش في مجلس الشيوخ انقلبوا مطلع أكتوبر ضد رئاسة بوش وسياساتها الإمبريالية·
وكان الشيء اللافت للنظر مع ذلك بالنسبة لإدارة قامت باستمرار بإنكار تهم التعذيب وأعاقت إجراء أية تحقيقات جدية عن التعذيب والقتل، هو محاولة تلك الإدارة الالتفاف على حظر التعذيب، وذلك بقيام نائب الرئيس ديك تشيني بإجراء اتصالات مع أعضاء الكونجرس للحصول على موافقتهم على إصدار قرار بإعفاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من قيود حظر التعذيب· ولم تؤد الانتقادات العديدة التي وجهت إلى إدارة بوش إلى إثناء تلك الإدارة عن موقفها حيث واصلت عنادها في الدفاع عن التعذيب، وقامت في إطار ذلك برفض إعطاء إذن لمحققي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة لمقابلة المعتقلين في جوانتانامو الذين لا تريد للولايات المتحدة للعالم أن يسمع إفاداتهم·