يتردد في أوساط الباحثين في مراكز دراسات الطاقة والأقسام العلمية المتخصصة في الاقتصاد في الجامعات الغربية، والسياسيين وحكومات الدول المستهلكة للنفط سؤالٌ مهمْ حول الوقت الذي سينضب فيه النفط وتجف آباره على مدار العالم· وتدور نقاشات مدوية الآن في الدول المستهلكة بعضها يرى أن هذا الموعد يقترب بسرعة وأن العالم سيفاجأ قريباً ببدء انحدار إنتاج النفط الخام بعد أن يصل إلى ذروته خلال عقد واحد فقط من وقتنا الحاضر، في حين أن البعض الآخر يرى العكس من ذلك وأن مكتشفات جديدة سيتم الإعلان عنها قريباً، خاصة في المنطقة العربية، ستزيد من الإنتاج العالمي بحوالى 100 مليون برميل في اليوم، وأن الإنتاج سيستمر في اندفاعه القوي إلى عام 2030 على الأقل·
عند هذه النقطة دعوني أطرح سؤالاً افتراضياً هو: إذا ما بدأ إنتاج آبار نفط العالم يجف فعلاً على مدى السنوات العشر القادمة هل سيكون العالم مستعداً لمواجهة مشكلة مصادر الطاقة وإيجاد بدائل للنفط؟ وبالتأكيد فإن الإجابة المباشرة على السؤال هي لا، فبرغم جميع محاولات العلماء إيجاد بدائل للنفط الخام من مصادر أخرى كالفحم الحجري والغاز الطبيعي ورمال القار والزيوت الثقيلة جداً والزيت الحجري وفول الصويا وقصب السكر، باءت جميعها بالفشل حتى الآن وثبت أنها غير مجدية اقتصادياً وتحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات تتراوح ما بين 20 إلى 30 سنة لكي يتم التوصل إلى نتائج إيجابية بشأنها·
إن العالم اليوم يجد أمامه مشكلة بالنسبة لمستقبل إنتاج النفط ومتى سينتهي هذا الإنتاج، وهي مشكلة تؤرق الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء· ويعود السبب في ذلك إلى أن تحديد موعد لمتى ستصل آبار العالم النفطية إلى النضوب، أصبح بمثابة لعبة قائمة على التخمين الصرف ولها مجموعة من السيناريوهات التنبئية التي تشير إلى أن بدء تناقص إنتاج آبار العالم سيحدث خلال فترة زمنية هي ما بين خمس إلى عشر سنوات· فتشير دراسة أجرتها وزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية مع بداية الألفية الثالثة، إلى أنه يوجد 12 احتمالاً متنوعاً لموعد بدء تناقص الإنتاج، وإلى أن الإنتاج الحالي سيصل إلى ذروته عام ،2016 وإذا ما صدقت مثل هذه التنبؤات فإن أمام العالم أجمع حوالى عشر سنوات فقط لكي يرتب فيها أموره لمواجهة مشكلة ربما تكون هي الأخطر في تاريخه الحديث·
إن هذا النوع من التنبؤات الشائعة في الغرب ربما لا يحمل مصداقية، وربما تقف وراءه أجندات خافية لتبرير العديد من القضايا السياسية والسياسات المتبعة بشأنها· إنه إلى عهد قريب كانت العديد من الإحصاءات التي تخرج عن مكنونات دول الخليج النفطية تشير إلى إمكانية استمرار معدلات الإنتاج وفقاً للوتيرة التي كانت تسير عليها إلى 200-250 سنة لدى بعض الدول كالإمارات، أو 100 إلى 150 سنة بالنسبة لدول أخرى كالسعودية والكويت· كانت أوساط النفط العالمية تشير إلى أن آخر نقطة من النفط العالمي ستخرج من آبار نفط دولة الإمارات، وأن ذلك لن يحدث قبل مرور 200 سنة· فما الذي حدث الآن ولماذا تم التخلي بسرعة عن مثل هذه الإحصاءات؟ ألا يثير ذلك الشكوك في وجود جوانب أخرى فيما يعلن الآن عن قرب نضوب مصادر النفط الخام؟
إن الموعد المحدد لنضوب نفط العالم لا يمكن التنبؤ به مهما كانت الطرق التي تجرى الدراسات بها دقيقة، ففي كل يوم تكتشف آبار جديدة في بقعة من بقاع العالم، وهناك العديد من المناطق التي يعتقد أنها عائمة على بحور من النفط· ويضاف إلى ذلك أن الآبار القديمة التي تم إيقاف إنتاجها يمكن إعادة تأهيلها مرة أخرى كما هو حاصل هذه الأيام بالنسبة لآبار شمال الكويت· وأيضاُ فإنه توجد حقول بترولية مكتشفة تم إغلاقها في مناطق جبلية كانت تكلفة إنتاج برميل النفط منها عالية مقارنة بما كان ينتج من الآبار الصحراوية· والآن وبعد أن وصل سعر برميل النفط إلى أرقام قياسية فإن العودة إلى تلك الآبار أصبحت أمراً مجدياً اقتصادياً· لذلك فإنه بالرغم من إيماننا بأن النفط سلعة ناضبة ستصل يوماً إلى نهايتها إلا أن تلك النهاية ليست قريبة·