الحراك السياسي الذي تمور وتموج به الساحة السودانية منذ فترة طويلة واشتد إيقاعه في الآونة الأخيرة، حيث تتسابق الأحزاب والحركات السياسية والعسكرية على تجييش الحشود وتعبئة المؤيدين وتوقيع الاتفاقيات الثنائية، وتشكيل التحالفات، وترتيب الأوراق قبيل نهاية العام الحالي التي توشك على الحلول، تحضيراً لمرحلة ما بعد الحرب في الجنوب، هو بالقطع مخاض وضع مختلف عن سابقيه، مقبل، وعلى عجل واضح، على السودان بعد سنوات طويلة من الاحتراب والاقتتال والصراع السياسي العبثي الذي أدخل البلاد في نفق عدم الاستقرار والتخلف والفقر إلى الحد الذي بات يهدد وحدتها الوطنية جغرافيا وسكانياً·
··· الوضع الجديد، الذي بدأت ملامحه العامة ترتسم على الأفق، ليس مفصلاً على مقاس أحد بعينه، وإنما يسع كل السودانيين، ولا يستثني أحداً منهم، بعدما تراضوا واتفقوا على الحوار الحضاري الراقي والتنافس السياسي السلمي بديلاً للتناحر والاقتتال الهمجي، لكن تحقيق هذه الأماني الرائعة على أرض ملتقى النيلين، الأزرق والأبيض، رهن بخلوص النيات وتصافي القلوب والنفوس، وإزالة ما علق بها من رواسب الماضي الكئيب، ليتجه الجميع إلى البناء والنماء، وبالتالي تعويض المواطن السوداني عن ما فاته، وهو كثير جداً، وإنصافه مما لحق به من ظلم وعسف يندى لهما الجبين على أيدي ساسته سواء المتعاقبون على كراسي الحكم أوعلى شرفات المعارضة وبدون استثناء·
إن توقيع اتفاق جدة الإطاري بين النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان طه ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي المعارض محمد عثمان الميرغني، ووصول وفد من الحركة الشعبية إلى الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الأهلية عام ،1983 والترحيب الشعبي الواسع بالاتفاق وبوفد الحركة، مؤشرات جدية على أن مسيرة السلام والوفاق في السودان قد مضت في الانطلاق نحو غاياتها بثبات، متسلحة بإرادة سياسية صلبة وبرغبة شعبية عارمة في الوصول إلى مرفأ الأمان والاستقرار.