ليس هناك خلاف بين العرب حول طبيعة الإرهاب· هناك شبه إجماع على أن الإرهاب، كظاهرة إجرامية تستشري بيننا، يشكل خطراً يهدد استقرار الدول وأمن المجتمعات· ومع ذلك هناك خلاف، يدور حول إنْ كانت هناك أسباب من خارج الإرهاب يمكن أن تساعد على فهم هذه الظاهرة· أحد أطراف الخلاف يرى أن سبب الإرهاب كسلوك وكفكر موجود في ذاته، وبالتالي ليس هناك حاجة إلى كثير دراسة وتحليل، أو إلى إعمال الفكر للكشف عن ذلك· سبب الإرهاب واضح، حسب هذا الرأي، ويكمن في الفكر الإرهابي الذي يغذيه· وهو من الخطورة بحيث لا يستدعي الأمر أكثر من أن يحزم العرب والمسلمون أمرهم ويقرروا استئصال شأفة الفكر السلفي المتطرف (الإرهابي)، وتخليص المجتمعات العربية من آثاره المدمرة·
هناك طرف آخر يرى أن تجاهل أسباب الإرهاب لا يعدو كونه رد فعل عاطفي، وتنكرا غير مبرر لحقيقة أن الإرهاب ظاهرة اجتماعية سياسية، وأنها مثل غيرها من الظواهر تتطلب التعامل معها بشكل جاد، ليس فقط أمنياً، بل وسياسياً وفكرياً كذلك· اللجوء إلى رفض أن تكون هناك أسباب للإرهاب من خارجه قد يمثل هروباً من مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي أفرز هذه الظاهرة البغيضة· وعليه فإن القضاء على الإرهاب يتطلب أولاً فهم واستيعاب الظاهرة، واعترافاً مسبقاً بأن أسبابه تتجاوز مسألة الفكر السلفي المتطرف التي يُقال إنها تقف وراءه· الفكر في هذا الطرح هو الأيديولوجيا التي يستند إليها فعل الإرهاب كسلوك· وفي هذه الحالة يبدو وكأنه السبب الأهم والأكثر فعالية· هذا في حين أنه في واقع الأمر لا يمكن أن يكون إلا السبب الظاهر والمباشر، أو المحفز على التورط في السلوك الإرهابي·
بعبارة أخرى، الفكر الإرهابي لا يتجاوز دوره كثيراً حدود التبرير وتسويغ الإرهاب، تحت مسميات ومبررات دينية، مثل الجهاد، ومحاربة الكفر، والفوز بالجنة والحور العين···الخ· لكن السؤال الذي يتجاهله ما أسميهم بـ''هجائي الإرهاب'' هو: كيف اكتسب الفكر المتطرف هذه الفعالية، وأصبح له هذا القبول الواسع رغم تعارضه مع مصالح المجتمع؟ الفكر المتطرف حالياً، والذي يقدم التبريرات للإرهاب، هو تيار خرج من داخل الفكر السلفي· والفكر السلفي قديم قدم الثقافة الإسلامية· أبرز أئمة هذا الفكر كان الإمام أحمد بن حنبل، الذي توفي في القرن الثالث الهجري، مما يعني أننا نتحدث عن فكر لا يقل عمره عن ألف ومائتي سنة· ما هي العوامل التي جعلت هذا الفكر، وفي هذه المرحلة تحديداً، ينزلق ليتولد عنه تيار فكري يحفز على الإرهاب بالصيغة البشعة التي هو عليها الآن؟ لاشك في أن ما حصل لهذا الفكر مؤخراً يشير إلى قابلية كامنة فيه لمثل هذا الانحراف· ولكنها قابلية تظل كامنة، قد تختفي تماماً لقرون طويلة، لكنها قد تظهر بهذه الصيغة أو تلك·
والأغرب في هذا الخلاف أن الطرف الذي يرفض تسبيب الإرهاب يعتبر أن أية محاولة في هذا الاتجاه ليست إلا محاولة غير بريئة لتبرير الإرهاب وتسويغه· الدكتور عبدالحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة السابق في قطر، هو أحد أبرز الكتاب الذين يأخذون بهذا الرأي· في مقالة له عن الموضوع (في هذه الصفحة يوم 21-9-2005)، وبعد استعراض لما يحدث في العراق من عمليات إرهابية، يتساءل الدكتور الأنصاري قائلا، ''لماذا يستمر الإرهاب عند المسلمين بهذه الضراوة والتوحش؟'' يبدأ إجابته بإيراد رأي ''الأيديولوجيين'' من القوميين والإسلاميين الذين يرون أن السبب يتمثل في ''الاحتلال'' و''المظالم''، و''القهر''، و''الهيمنة الأميركية''· ثم يعلق على ذلك بقوله إن ''هذه أسباب واهية، الاحتلال موجود في أماكن عديدة، والمظالم والقهر موجودة عند شعوب عديدة وبشكل أعظم مما عندنا، ومع ذلك لا نجد عندهم مثل إرهابنا''·
ما هي الأسباب إذاً في رأي الأنصاري؟ في مقالة أخرى (على هذه الصفحة يوم 13-7-2005) يورد الدكتور الأنصاري أهم سببين للإرهاب الإسلامي· الأول ''إن تعليمنا الديني، وكذلك خطابنا الديني، لا يحملان مضموناً إنسانياً ولا يعترفان بالإنسان وحقوقه وكرامته، بل ولا يكترثان به· وفي ظني، أن النزعة الإنسانية غائبة في ثقافتنا، ليس فقط ضد الآخر الخارجي، بل أيضاً وأساساً، ضد الآخر الداخلي، المختلف مذهباً أو ديانة أو فرقة· فالسلفيون يعادون ''الشيعة'' و''الأشعرية'' و''الإباضية'' وبدرجة أكبر ''الصوفية··''، والثاني، ''إننا نتهرب من تحمل مسؤولياتنا عن أوضاعنا، فنبرر تصرفات أبنائنا الذين يسيئون للآخرين ولنا ولإسلامنا، حين نردد الاسطوانة الباكية من أن الآخرين هم السبب في سوء أوضاعنا، وسيئات أعمالنا، مع أن تقارير العالم، بل والعربية تكشف السوءات والسيئات التي اجترحتها أيدينا''·
الأنصاري محق في ثلاثة أمور هنا: التنصل من المسؤولية، وتجيير ما يحدث للعرب إلى عوامل وأسباب خارجية، وتوصيفه للتعليم الديني وللخطاب الديني بشكل عام بأنهما يفتقدان لمضمون إنساني، ولا يعترفان بحقوق الإنسان، والثالث في ظنه بأن ثقافتنا تفتقد بشكل عام للنزعة الإنسانية، كما هو واضح بشكل خاص في هيمنة ال